النظام الشفرى للوراثة ، علم الوراثة Heredity

لماذا يشبه أنفك ، مثلا ، أنف أحد أفراد أسرتك ، ولماذا يكون لأفراد الأسرة الواحده ، نفس لون الشعر ، أو العيون ، أو ملامح الوجه ، مما يدل على أنهم أقرباء ؟ ، يرجع السبب فى ذلك الى انهم يشتركون فى الصفات الوراثية ، بيد أن هذا لايفسر السؤال تفصيلا ، الا ادا عرفت كيفية عمل الوراثة Heredity ، او علم الوراثة Genetics ،  وللتوصل الى ذلك ، عمد العلماء الى دراسة المكونات البيلوجية للأنسان والحيوان ، بغرض التوصل الى وسيلة انتقال الصفات المميزة ، Characteristics الى الطفل من أبويه .

DNA Overview2 shorter.png
ان بويضة البشر صغيرة جدا ، يمكن بالكاد رؤيتها بالعين المجردة ، ومع ذلك ، فعندما تخصب بحيوان منوى Sperm من الذكر ، تنمو هذه الخلية الدقيقة الحجم ، الى أكثر الحيوانات تعقيدا ، وهو الأنسان البالغ ، وتستغرق هذه العملية عشرين سنة أو أكثر ، ورغم ذلك فأن كل أمر Instruction ، يلزم لقيادتها الى نهاية مضبوطة ، يكون متوفرا فى البويضة ، منذ لحظة الأخضاب Fertilisation .
ولقد عرف العلماء منذ مدة ، أن الخواص البيولوجية لكل نوع Species من الحيوان أو النبات ، تنتقل من جيل لآخر ، محمولة على خيوط مادة تعرف بالكروموسومات Chromosomes ، أى الصبغيات ، داخل أنوية Nuclei البويضة والحيوان المنوى ، وعرفوا كذلك أن كروموسومات كل من البويضة والحيوان المنوى ، يمتزجان معا فى البويضة المخصبة ، لينتجا جيلا جديدا له صفات كلا الأبوين ، وعندما تنقسم البويضة ، تنقسم معها الكروموسومات ، وبذلك تتكون مجموعة كاملة لتقود عملية النمو فى كل خلية .
ومن الممكن ، فى عدة أنواع حيوانية ، التعرف على كل كروموسوم ، بل ومن تحديد بضعة مناطق قليلة على بعض الكروموسومات ، مسئولة عن وجود صفات معينة مثل وجود الشعر ، أو شكل العين ، وتعرف مثل هذه المناطق بالجينات Genes ، وهى تسيطر ، ليس على الصفة البيولوجية لكل نوع حيوانى فحسب ، بل وعلى الاختلافات البسيطة أيضا ، مثل لون العين ، وفصيلة الدم ، التى توجد بين أفراد النوع الواحد .
ولقد فحصت الطبيعية الكيماوية للكروموسومات ، فتبين أننا تتكون من مادة حمض النيوكلييك أو Nucleic Acid ، وكان المظنون لفترة طويلة من الزمن ، أن تركيب هذه المادة بسيط جدا ، اذا قورن بالمهمة المعقدة التى تقوم بها ، ولم يعرف التركيب الذى قدمه عالمان ، احدهما الامريكى ج.د.واطسون J.D.Watson ، والآخر الانجليزى ، ف.ه.س.كريك F.H.C.Crick الا فى سنة 1953م ، وقد أوضح هذا النموذج ، أن الجينات مصنوعة من حمض النيوكلييك ، وان الحمض مرتب بطريقة خاصة ، بحيث يعطى شفرة ، هى الشفرة الوراثية Genetic Code ،التى تقود النمو والأيض Metabolism فى كل خلية حية .
تركيب حمض النيوكلييك :-
حمض النيوكلييك او الحمض النووى  الموجود فى نواة الخلية ، له تركيب يشبه السلم ، ويتكون جانبا السلم من جزيئات من الفوسفات ، وجزيئات من سكر يسمى ديزوكسى ريبوز Desoxyribose مرتبة بالتبادل على طول السلم ، بالاضافة الى ذلك ، فأن كل جزء من السكر ، يتصل بواحد من القواعد Bases الأربعة وهى :
أدينين Adenine ، وجوانين Guanine ، وثايمين Thymine ، وسايتوسين Cytosine ، وهذه القواعد تبرز ناحية الداخل ، مقابل بعضها بعضا ، لتؤلف درجات السلم Rungo ، وكل ثلاثى متكون من جزىء فوسفات ، وجزىء سكر ، وجزء قاعدة ، يطلق عليه اسم نيوكليوتيد Nucleotide ، ولما كان كل نيوكليوتيد يحتوى على سكر ديزوكسى ريبوز ، لذا فان حمض النيوكلييك الذى تكونه هذه النيوكليوتيدات ، يطلق عليه اسم حمض ديزوكسى ريبونيوكلييك Desoxyribonucleic Acid أو D.N.A ، ويوجد بداخل كل جزىء نظام ثابت من القواعد ، فاذا كانت القاعدة المتصلة بجانب السلم هى الأدينين ، كانت القاعدة المقابلة لها من الجانب الآخر دائما هى قاعدة الثايمين ، وحيثما وجدت الجوانين كانت المقابلة لها دائما فى السايتوسين ،ومهما كان طول الجزىء فأن علاقة هذه الأزواج من القواعد ثابتة دائما ، وهناك ميزة أخرى يمتاز بها السلم ، وهى أنه ليس مستقيما كالسلم العادى ، بل يلتوى على نفسه ، مكونا تركيبا يشبه القوقع الحلزونى Helix ، فهو أقرب شبها بالسلم الحلزونى عنه بالسلم العادى ، الا أنه سلم ، حلزونى بدون درابزين .
كيف ينظم D.N.A النمو :-
ان البروتين Protein ، هو الذى يمنح الخلية الحيوانية الخواص المرتبطة بالحياه ، فالتراكيب البروتينية ، هى التى تسيطر على حجم كل خلية وشكلها ، وبروتينات الأنزيمات Enzymes هى التى تحدد أوجه النشاط الكيميائى فيها ، والافرازات Secretions البروتينية مثل بروتينات الدم ، والعصارات الهاضمة ، مهمة بصفة عامه للجسم الحيوانى ، وعلى ذلك فلابد للخلية من صنع البروتين ، وينظم ح . د . ن . الخواص البيولوجية للخلية ، بتحكمه فى تخليق هذه البروتينات ، وهو يفعل ذلك داخل الريبوسومات Ribosomes   ، وهى عبارة عن مئات من مصانع البروتين Protein Factories موجودة فى ستوبلازم كل خلية .
وفى داخل نواة الخلية الحيه ، لايوجد ح . د . ن فحسب ، بل توجد أيضا أربعة أنواع من النيوكليوتيدات الحرة ، ويوجد فى هذه النيوكليوتيدات الحرة ، سكر ريبوز Ribose دائما بدلا من ديزوكسى ريبوز ، وقاعدة تسمى يوراسيل Uracil بدلا من السايتوسين ، وتنجذب النيوكليوتديات الحرة الموجودة فى النواة ، نحو حلزون ح . د . ن وتلصق نفسها به بأحكام ، بنفس النظام الذى يحدده تعاقب أزاوج القواعد ، وجزيئات الفوسفات والريبوز الموجودة فى هذه النيوكليوتيدات الحرة ، تؤلف سلسلة فوسفات الريبوز ، وبذا يتكون جزىء طويل من النيوكليوتيدات ، وتشبه هذه السلسلة فى تركيبها كثيرا جانبا من جانبى سلم ح . د . ن ، الا أنها تسمى ، نظرا لاحتوائها على سكر ريبوز ، بدلا من ديزوكسى ريبوز ، اسم حمض ريبونيوكلييك Ribonucleic Acid ، او RNA ، ويعتبر صورة سلبية لحلزون DNA ، وعندما ينفصل بعد ذلك عن الحلزون ، فأن ترتيب قواعده ، يعكس ترتيب القواعد فى ح د ن الذى تشكل على سطحه ، بسبب ذلك ، وبسبب ان جزيئات ح ر ن يمكن ان تتجول فى الخلية ، لذا فقد سميت ح ر ن  المراسلة Messenger RNA .
وينتشر ح ر ن المراسلة خارج النواه ، ثم يدخل فى الوقت المناسب فى الريبوسومات ، التى هى مصانع بروتين السيتوبلازم ، وهنا تتجمع نيوكليوتيدات من نوع الريبوز ، وتتصل ببعضها بعضا ، فى مجموعات ثلاثية النيوكليوتيد تسمى ح ر ن الناقل Transfer RNA ، وتلصق نفسها مع  ح ر ن المراسلة ، ويوجد أكثر من عشرين طراز من  ح ر ن الناقل ، يحمل كل منهما واحدا من  20 حمضا أمينيا مختلفا Amino Acid ، والتى تستعمل فى تخليق البروتينات ، وترتب الجزئيات الصغيره من  ح ر ن الناقل نفسها ، على طول جزىء ح ر ن الساعى والأكثر طولا ، بطريقة يرتبها وينظمها تعاقب القواعد فى كلا النوعين من ح ر ن ، ويترتب على ذلك ، أن الأحماض الأمينية التى يحملها ح ر ن الناقل ، تترتب هى الأخرى طبقا لنظام خاص ، وعندما توجد جزيئات من ح ر ن الناقل ، على طول جزىء ح ر ن الساعى ، فأن الأحماض الأمينية الملتصقة مع  ح ر ن الناقل ، تتصل كلها معا لتكون سلسلة ، وتنفصل هذه السلسلة بعد ذلك عن  ح ر ن الناقل ، وتنطوى كى تكون جزيئا من البروتين ، وبذلك نجد أن ح ر ن الموجود فى النواة  يتحكم ، عن طريق تأثيره فى ح ر ن المراسلة ، فى الصفات البيلوجية للبروتينات ، وبالتالى فى الخلية .
ح . د . ن يحمل الصفات الوراثية :-
ان انقسام خلية ما الى خليتين بنويتين Daughter Cells ، يعنى بالضرورة انهما اقتسمتا ح د ن الذى كان موجودا فى الخلية الأم ، ولو كان لزاما أن تظل كمية ح د ن ثابتة فى جيل من الخلايا الى الجيل التالى ، لكان من الواجب ايضا أن تكون هناك طريقة لصنع ح د ن جديد مطابق للأصل كلما انقسمت الخلية ، وتنفصل القواعد ، التى تؤلف درجات السلم عن أحد طرفى الحلزون ، عن بعضها بعضا ، بحيث ينفك الالتفاف فى جانبى الدرج عند هذا الطرف ، ويتباعدان عن بعضهما قليلا ،وبعد ذلك تلتصق نيوكليوتيدات من نوع ديزوكسى ريبوز نفسها بالقواعد المكشوفة ، بحيث تتكون منها الدرجات الأخيرة لسلمين جديدين ، وتسرى العملية بطول الحلزون كله حتى ينتهى الأمر ، بتكوين حلزونين كاملين ، يكون نصف كل منهما من الحلزون الأب ،والنصف الآخر حديث التخليق ، ومن الظاهر الهامة لتخليق حلزونات جديدة من ح د ن ، هو أن كل درجة من سلم ح د ن ، يمكن أن تتكون اما من القاعدتين أدينين وثايمين فقط ، واما من الجوانين والسايتوسين ، وعلى ذلك فانه اذا انفصلت احدى درجات السلم ، لايمكن للقاعدة المكشوفة أن تتحد الا مع واحدة فقط من النيوكليوتيدات الأربعة الميسورة ، ويجب أن تكون هذه النيوكليوتيدات مشابهة لتلك التى كانت موجودة قبل الانفصال ، بهذه الوسيلة يكون الحلزونان الجديدان اللذان تكونا أثناء تخليق ح د ن متشابهين تمام الشبه ، ومشابهين للحلزون الأبوى ، وعندما تنقسم الخلية ، تحصل كل من الخليتين على أحد الحلزونين البنويين ، وبذلك تزود الخليتان بكميتين من  ح د ن من نفس النوع تمام .
مازالت المشكلة دون حل :-
واضح أنه فى الحيوان وحيد الخلية Unicellular كالأميبا ، يمكن أن يؤدى تنظيم تخليق البروتين بوساطة ح د ن الى تحديد شكل الحيوان ونشاطاته البيولوجية ، أما فى الحيوان المعقد عديد الخلايا Multicellular كالأنسان ، فالمشكلة أكثر صعوبة ، وليس من السهل أن نعرف كيف يؤدى التحكم فى تخليق البروتين ، بوساطة ح د ن ، فى كل خلية ، الى تحديد صفات كحجم وشكل الأنف مثلا ، الذى يعتمد على ترتيب عدد ضخم من الخلايا فى جزء معين من الجسم ، وعلاوة على ذلك ، فانه رغم كل أن خلية فى الجسم لديها مجموعة كاملة من الكروموسات ، الا ان كثيرا من الخلايا تكون فيها بعض الجينات على الأقل ، عاطلة .
ورغم أن لدينا فكرة عن أسباب الوراثة ، الا أن شفرة الوراثة مازالت غامضة ، وتحتاج الى دراسة علمية أكثر تفصيلا ، كى نعرف كيف ولماذا يتوارث أفراد أسرة ما صفة معينة .
                                

 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً