المجاهد العظيم خالد بن الوليد ، خالد بن الوليد سيف الله المسلول

خالد بن الوليد

نشأ خالد بن الوليد من أعرق بيوت بنى مخزوم ، وأعلاها شرفا وغنى ، فلم يكن من أبوته أو عمومته ، الا من كان رئيسا لا تدانى مكانته مكانة أحد من رؤساء الجاهلية ، وكان أبوه الوليد بن المغيرة الملقب بالعدل وبالوحيد ، لأنه يكسو الكعبة وحده سنة ، وتكسوها قريش كلها كسوة مثلها سنة أخرى .

وكان جده المغيرة بن عبد الله ، الذى كانت تؤثر الرجال من بنى مخزوم أن تنتسب اليه ، فيسمى المغيرى تشرفا واعتزازا به ، وكان عمه هشام قائد بنى مخزوم فى حرب الفجار ” التى كانت بين قريش وقيس عيلان وقد حضرها النبى صل الله عليه واله وسلم وهو صبى وسميت بحرب الفجار لأنهم تقاتلوا فى الشهر الحرام ” ، وبوفاة عمه هشام ، أرخت قريش باعتباره حدثا عظيما ، أما أم خالد ، فهى لبابة بنت الحارث الهلالية ، وهى أخت ميمونة أم المؤمنين ، زوج النبى صل الله عليه واله وسلم ، وما من بيت من بيوت العرب الا وله صلة بخالد وذوية ، بالنسب والمصاهرة من جانب أمه ، أو من جانب أبيه الا ماندر .

KhalidBinWalid.png

مولده ونشأته :-

يرجح المؤرخون أن يكون مولد خالد فى نحو أربع وثلاثين قبل الهجرة ، وكانت مخايل الفروسية بادية عليه منذ صباه الباكر ، فأوكل اليه أبوه قيادة الخيل ، مع أنه لم يكن أكبر أبنائه ، وكان لقبيلة بنى مخزوم التى ينتسب اليها خالد ، أمر القبة والأعنة فى الجاهلية ، والقبة هى الخيمة العظيمة التى يضربونها ليجمعوا فيها عدة القتال ، والأعنة هى الخيل وفرسانها ، فولاية خالد لهذه المهمة ، دليل ناصع على استعداده للرئاسة والقيادة منذ صباه ، راض خالد نفسه على شظف العيش وخشونته فى البادية ، ليتمرس على شدائد الحرب ، ويألف الجوع والعطش ، وقلة الزاد اذا اضطر الى ذلك ، وكان لخالد ولع بالسفر والتنقل فى الجزيرة العربية قبل الأسلام ، وقد أكسبه ذلك دراية بدروبها ومسالكها ، فى طريقه من العراق الى الحجاز ، ومن الحجاز الى اليمن ، ومن نجد الى الشام .

اسلامه :-

كان خالد فتى ناشئا يوم ظهرت دعوة النبى بالأسلام ، فنفر منها كما فعل قومه ، وتجرد لمحاربتها والتصدى لها ، ولم تمض سنتان على موت أبيه ، حتى كان قائد الميمنة فى وقعة أحد المشهورة ، وتولى الهجمة التى جعلت النصر فى جانب المشركين ، واشترك خالد فى وقعة اخرى هى وقعة الأحزاب أو الخندق ، التى أوشك النصر أن يكون فيها حليف المشركين ، لولا يقظة على بن ابى طالب ، وتفشى الوقيعة بين أحزاب قريش ، وهبوب الريح التى عصفت بخيامهم وقدورهم ، ويأستهم من اقتحام الخندق الذى حفره المسلمون حول المدينة .

تصدى خالد مرة أخرى للنبى صل الله عليه واله وسلم فى سنة الحديبية ، وهو فى الطريق الى مكة ، وكان النبى قد خرج اليها معتمرا ، وبقى خالد على كراهته للأسلام ، حتى انه تعمد الغياب عن مكة ابان دخول النبى عليه الصلاة والسلام اليها معتمرا فى عمرة القضاء ، وكان اخوه الوليد قد جاء مع النبى صل الله عليه واله وسلم فى تلك العمرة ، فطلب خالد فلم يجده ، فكتب اليه كتابا قال له فيه ” بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فأنى لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الاسلام وعقلك عقلك ، ومثل الأسلام يجهله أحد ؟ وقد سألنى رسول الله صل الله عليه وسلم فقال أين خالد ؟ قلت يأتى الله به فقال ما مثل خالد يجهل الأسلام ؟ ولو جعل نكايته وحده مع المسلمين على المشركين لكان خيرا له ، ولقدمناه على غيره ، فأستدرك يا أخى مافاتك منه ، فقد فاتتك مواطن صالحة ” .

فلما جاء خالد كتاب أخيه الوليد ، وسرته مقالة رسول الله صل الله عليه وسلم ، ازدادت رغبته فى الدخول فى الاسلام ، كما أنه رأى فى النوم كانه فى بلاد ضيقة جدبة ، فخرج الى بلد أخضر واسع ، فمنذ تلك الساعة تباعد مابين خالد وبين الشرك ، وتقارب مابينه وبين الأسلام ، فرحل الى المدينة لملاقاة النبى الكريم صل الله عليه واله وسلم ، واعلان اسلامه بين يديه ، ومع عثمان بن أبى طلحة ، وفى طريقهما الى المدينة ، قابلا عمرو بن العاص ، الذى كان وجهته المدينة أيضا للدخول فى الأسلام ، وكان قدومهم المدينة ومبايعتهم رسول الله صل الله عليه واله وسلم فى شهر صفر من سنة ثمان للهجرة .

سرية مؤته :-

كان أول عمل اشترك فيه خالد بن الوليد متطوعا بعد اسلامه بشهرين أو ثلاثة ، هو سرية مؤتة التى سيرت الى البلقاء ، وسبب هذه الغزوة ، أن النبى صل الله عليه وسلم أرسل وفدا الى ذات الطلح بمقربة من الشام ، ليدعوهم الى الأسلام ، فقتل أعضاء الوفد ، وعددهم خمسة عشر الا رئيسهم الذى نجا ، وأخبر بما لحق رفاقه من التنكيل والتمثيل ، كما أرسل النبى عليه الصلاة والسلام رسولا الى هرقل ، فقتل فى الطريق أيضا بأيدى المشركين ، جرد رسول الله صل الله عليه وسلم جيشا صغيرا لاتتجاوز عدته ثلاثة آلاف ، للثأر لأصحابة المقتولين ، وكان فى الجيش خالد بن الوليد ، ونخبة من أقدم الصحابة ، وتولى القيادة زيد بن حارثة ، وأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يذهبوا الى حيث قتل رسوله فيدعوا القوم للأسلام .

قاتل زيد بن حارثة حتى قتل ، فتولى القيادة جعفر بن ابى طالب ، فحارب حتى استشهد ، وتلاه ابن رواحه ، فلقى نفس المصير ، عند ذلك اتفقت الكلمة على أن يتولى خالد قيادة الجيش ، فخير ماصنعه هو الأرتداد بالجيش ، بعد أن رأى جيش عدوه ، وكثرة عدده وعدته ، فأوقع فى روع العدو أنه ينوى الهجوم ، وبدل مواقف الجيش تحت جنح الظلام ، فنقل الميمنة الى الميسرة ، والميسرة الى الميمنة ، والساقة موضع المقدمة ، ورصد من خلف الجيش طائفة يثيرون الغبار ، ويكثرون الحركة ، فتوهم العدو أن مددا جاء لجيش المسلمين ، فلما تراجع خالد ، لم يتبعه المشركون ، مخافة أن يقعوا فى كمين يكون قد أعده لهم ، وبهذه الحيلة رجع جيش المسلمين الى المدينة بسلام ، وعرف خالد منذ ذلك الوقت بلقبه الذى لقبه به رسول الله صل الله عليه وسلم وهو ” سيف الله ” .

قمع خالد بن الوليد فتنة الردة ، وضرب دولة الأكاسرة ، ووحد قيادة المسلمين فى حرب الرومان ، فصدهم الى ماوراء حدودهم ، وبلغ خالد فى معركة اليرموك قمته ، وخلت ميادين الشام بعدها من اعمال حربية ، تولى عمر بن الخطاب الخلافة بعد الصديق ، فأسند قيادة الجيش الى أبى عبيدة بن الجراح بدلا من خالد بن الوليد ، وقال عمر فى ذلك ” أنى لم أعزل خالد عن سخطة ولا عن خيانة ، ولكن الناس فتنو به ، فخشيت أن يوكلوا اليه وألا يكونوا بغرض فتنة ” .

وفاته :-

انتهت حياة خالد بن الوليد رضى الله تعالى عنه بحمص ، بين سنة احدى وعشرين واثنتين وعشرين للهجرة .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً