النرويجى الرحالة Roald Amundsen ، لغز اختفاء المكتشف النرويجى روال أمونسن Roald Amundsen

ولد روالد أمندسن Roald Amundsen ، المستكشف النرويجى القطبى الذائع الصيت فى عام 1872م ، وتوفى واختفى ولم يعثر عليه عام 1928م ، والناس يتذكرون اسمه ، لأنه قاد بعثته الناجحة فى الدائرة القطبية ، الجنوبية Antarctic ، والتى كانت أول بعثة وصلت الى القطب الجنوبى ، ولكنها لم تكن سوى واحدة من البعثات الكثيرة الى المناطق القطبية التى اشترك فيها ، وكان أمندسن عضوا فى البعثة العلمية الأولى ، التى تهيأ لها أن تمضى فصل الشتاء جنوبى الدائرة القطبية الجنوبية ، وكان أول رجل أتيح له أن يبحر فى الممر الشمالى الغربى ، كما أبحر فى الممر الشمالى الشرقى ، وقد طار فيما بعد فوق القطب الشمالى ، وفى النهاية فقد حياته أثناء طيرانه من النرويج الى سبتزبرجن Spitsbergen ، للمساعدة فى انقاذ الباقين على قيد الحياة ، من البعثة المشؤمة للمنطاد ” ايطاليا ” فى عام 1928م ولم يتم العثور على جثته هو فقط .

Nlc amundsen.jpg

ان أمندسن كان مقصودا له أصلا أن يصبح طبيب ، وعلى الرغم من أنه حصل على الدرجة العلمية من جامعة أوسلو عام 1890م ، الا أنه لم يستكمل قط تدريبه كطبيب ، اذ أنه أشتغل بالبحر ، وهو فى سن الثانية والعشرين ، وقد أمضى بضع سنوات فى التمرس على هذا العمل فى سفن صيد الحيتان ، وكانت هذه خبرة طيبة له ، بالنسبة لنوع العمل الذى كان عليه أن يقوم به فيما بعد ، وفعلا فأنه لم يبلغ الخامسة والعشرين ، حتى عين ضابطا بحريا أول فى السفينة بلجيكا Belgica ، التى كان مقررا أن تقوم بالرحلة فى بعثة القطب الجنوبى التى كان يقودها أ . دى جيرلاخ A.de Gerlache ، وقد أبحرت السفينة بلجيكا من أمريكا الجنوبية الى جزر شتلاند الجنوبية ، وقامت أثناء الفصل الصيفى لعامى 1897م – 1898م ، بالطواف حول الساحل الغربى لجراهام لاند Graham Land ، وفى خلال عام 1898م ، حاصرت ركام الجليد الطافى فى البحار القطبية ، السفينة بليجكا فى بحر بللينجشاوزن The Bellingshausen Sea ، وظلت طوال الشتاء تنجرف مع التيار فى الجزء الجنوبى من هذا البحر ، وكانت هذه المرة الأولى التى أمضى فيها أى رجال ، الشتاء جنوبى الدائرة القطبية الجنوبية .

الممر الشمالى الغربى :-

فى خلال القرنين السادس عشر ، والسابع عشر ، قام مستكشفون من أمثال فروبيشر Frobisher ، وديفيس Davis ، وهدسون Hudson ، وبافن Baffin ، برحلات كثيرة ، فى محاولة لكشف طريق بحرى من المحيط الأطلنطى الى المحيط الهادى ، مارا الى الشمال من كندا ، وقد أدركوا وقتها ، أن هذا الطريق لابد أن يقع بين عديد الجزر ، وشبه الجزر ، التى يتألف منها الأرخبيل الكندى ، حيث البحر الجليدى يتكاثف غالبا طوال الشتاء ، وقد بذلت خلال القرن التاسع عشر ، محاولات كثيرة للأبحار من خلال هذا الطريق ، وبلغت أوجها ببعثة فرانكلين السيئة الطالع فى عام 1845م ، وماتلاها من بعثات الانقاذ المتعددة حتى عام 1859م .

ولكن مامن سفينة أبحرت فعلا خلال الممر الشمالى الغربى ، حتى أنجز أمندسن هذه المهمة فى سفينة صيد الفقمة الصغيرة المسماة ججوا Sealer Gjoa ، فيما بين عام 1903م وعام 1906م ، ولما كان القطب المغناطيسى الشمالى يقع فى هذا الجزء من منطقة القطب الشمالى ، فأن دراسة المغناطيسية الأرضية كانت واحدة من أهداف هذه البعثة ، وقد أمضت السفينة شتاءين فى المرفأ الصغير المسمى مرفأ ججواهافن Gjoa Haven فى جزيرة كينج وليام ، وهى قريبة جدا من القطب المغناطيسى ، وقضى أمندسن شهورا كثيرة ، مرتحلا بالزحافة ، مع أمتداد الساحل الشرقى لجزيرة فكتوريا ، لكى يتعلم من الأسكيمو طرائقهم فى الارتحال ، وأساليبهم فى التعامل مع الكلاب ” وهو ما ثبتت أهميته البالغة لرحلاته القطبية التالية ” ، وقد أمضى أمندسن شتاء ثالثا فى عامى 1905م – 1906م عند منطقة كينج بوينت فى خليج ماكنزى Mackenzie Bay ، وفى النهاية ، أبحرت السفينة ججوا خلال مضيق بيرنج Bering Strait الى المحيط الهادى فى صيف عام 1906 م .

تغيير الخطط :-

لقد وطدت الرحلة الناجحة للسفينة ججوا مكانة أمندسن ، كواحد من أبرز المستكشفين القطبيين فى الجيل كله ، وكان هدفه التالى هو بلوغ القطب الشمالى ذاته ، وهى بعثة كان أساسها تكرار الأسلوب الحربى ، الذى اتبعه المستكشف نانسن Nansen فى الانسياق مع تيارات المحيط المتجمد الشمالى فى سفينته الشهيرة المسماة فرام Fram ، وكانت الخطط التى أعدها أمندسن لهذه المغامرة الجديدة ، قد بلغت مرحلة متقدمة ، عندما تمكن المستكشف بيرى Peary عام 1909م ، من الوصول فعلا الى القطب الشمالى ، وعلى هذا فقد استقر عزم أمندسن على جعل رحلته بعثة الى منطقة القطب الجنوبى ، مستهدفا الوصول الى القطب الجنوبى ذاته ، وعلى الرغم من أنه كان من برنامج خطته الجديدة ، الوصول الى القطب فى ديسمبر 1910م ، الا أنه لم ينجح فى هذا فعلا الا بعد ذلك بسنة .

وقد توخى أمندسن عدم الأعلان عن نواياه حتى أغسطس عام 1910م ، بعد أن كانت بعثته قد أبحرت من النرويج ، وفى نفس هذا الوقت ، كانت بعثة الكابتن سكوت Captain Scott فى طريقها هى الأخرى ، الى قارة أنتاركتيكا Antarctica ، ومثلما فعل سكوت ، فأن أمندسن عمد الى الاقتراب من قارة أنتاركتيكا عن طريق بحر روس ، لكى يصل الى حافة السلسلة المسطحة المعروفة بأسم سلسلة جبال روس الجليدية The Ross Ice Shelf ، عند فجوة الشاطىء الصغيرة المعروفة بأسم خليج الحيتان The Bay of Whales ، وفى هذا الموقع ، أختار أمندسن مقره لمأوى الشتاء فرامهايم Framheim ، وكان نفس هذا الموقع هو الذى استخدمه فيما بعد الأدميرال بيرد Admiral Byrd وغيره من المستكشفين الأمريكيين .

القطب الجنوبى :-

يجتاز الطريق من فرامهايم الى القطب الجنوبى ، ثلاث مناطق اقليمية متميزة ، فهناك أولا نحو 850 كيلومترا ، مما يكاد يكون سلسلة مسطحات جليدية ، يتعين اجتيازها الى أسفل الجرف الكبير لسلسلة جبال كوين مود رينج The Queen Maud Range ، وتبلغ الرحلة خلال هذه الجبال نحو 416 كيلومترا ، مع تسلق للهضبة القطبية يبلغ ارتفاعها نحو 3000 متر ، ومهما يكن من أمر ، فأن طريق أمندسن فى مرتفاعات أكسيل هيبرج Axel Heiberg ، والأنهار الجليدية المسماة بثلاجات الشيطان Devils Glaciers ، قد انطوى على شىء كثير من عمليات الهبوط والتسلق ، والواقع أنه طريق شديد الوعورة والخطر ، ذلك الذى يفضى الى الهضبة القطبية ، وتتراوح المرحلة الأخيرة للرحلة فوق سطح الهضبة بين 448 و 480 كيلومترا ، وقد أعتمد أمندسن على مجموعات الكلاب لجر زحافاته ، وقد نازعه البريطانيون فى حكمة هذا العمل ، وفضل كل من شاكلتون Shackleton وسكوت ، استخدام الأفراس فوق المسطحات الجليدية ، مع قيام الرجال بسحب الزحافات ، فى المراحل التى تقوم بها الأنهار الجليدية والهضاب ، ولكن أمندسن أظهر بوضوح ، تفوق الكلاب فى مثل هذه الرحلات ، وعلى سبيل المثال ، فقد استطاع أن يحتفظ فوق الهضبة القطبية ، بمعدل سير بلغ حوالى 19 كيلومترا فى اليوم ، فى حين أن فريق سكوت القطبى لم ينجح الا نادرا ، فى اجتياز أكثر من 19 – 23 كيلومترا .

وكانت المرحلة الوحيدة الصعبة فى الواقع فى رحلة أمندسن ، هى الصعود الى مناطق الأنهار الجليدية فى سلسلة جبال كوين مود رينج ، وبصرف النظر عن الأخطار الجسيمة المترتبة على الأخاديد والطيارات الجليدية ، فأن فريق الرحلة كابد من سوء الأحوال الجوية ، ما كان يصعب معه الأهتداء الى الطريق خلال هذه الجبال المجهولة لهم تماما .

ووصل أمندسن ورفاقه الأربعة الى القطب الجنوبى فى الرابع عشر من شهر ديسمبر عام 1911م ، وقد تمت رحلة العودة من الطريق ذاته ، ووصل فريق الرحلة القطبية الى قاعدته فى فرامهايم بعد 99 يوما من بدء الرحلة ، وبلغ طول الرحلة كلها حوالى 2976 كيلومترا ، وكان النقد الأساسى الذى وجه الى هذه البعثة ، هو أنها لم تحقق من النتائج العلمية الا النزر اليسير .

الممر الشمالى الشرقى والقطب الشمالى :-

فى أثناء الحرب العالمية الأولى ، كانت النرويج بلدا محايدا ، وقد أستطاع أمندسن أن يجمع ثروة قليلة من عمليات الشحن بالسفن ، وأنفق كثيرا من هذا المال ، فى بناء سفينة أخرى لرحلة الى القطب الشمالى ، وقد تم بناء هذه السفينة فى عام 1917م ، وسميت مود Maud ، وروعى فى تصميم السفينة ، مثل السفينة فرام السالف ذكرها ، أن تتحمل ضغط المساحات الواسعة من الجليد المتكسر الطافى فى البحار القطبية ، ولكن السفينة مود كانت أكبر قليلا من سفينة المستكشف نانسن ، وكان نية أمندسن أن تنساق السفينة مع التيار ، عبر المحيط المتجمد الشمالى ، من نقطة عند الشمال من مضيق بيرنج ، فى اتجاه جزيرة جرينلاند ، ولكى تصل السفنية الى المكان الذى تدخل منه الى مناطق الجليد الطافى فى البحار القطبية ، كان لابد أولا من الأبحار من خلال الممر الشمالى الشرقى ، فيما بين ساحل سيبيريا والمناطق الجليدية الطافية فى المحيط المتجمد الشمالى ، وبسبب سلسلة من الظروف غير المتوقعة ، فقد استغرقت هذه الرحلة السنوات فيما بين 1918م و 1921م ، ومنها ثلاث فصول شتوية فوق السواحل القطبية الشمالية لسيبيريا ، وترتب على هذا ، أن السفينة مود كان لابد لها من عمليات اصلاح وتجديد شاملة فى ميناء سياتل Seattle ، قبل الأقدام على محاولة الانسياق مع التيارات عبر المحيط المتجمد الشمالى ، وعلى الرغم من أن هذه الرحلة قد تم انجازها على يد كابتن ويستنج Captain Wisting فيما بين عام 1922م  وعام 1924م ، الا أن أمندسن لم يكن وقتئذ معه .

الطيران عبر القطب الشمالى :-

كان أخر اهتمامات أمندسن ، هو الطيران فوق القطب الشمالى ، وقد تعرضت محاولته الأولى فى عام 1922 ، للطيران عبر القطب الشمالى من ألاسكا الى سبتزبرجن ، الى حادث وقع أثناء هبوط الطائرة ، فحال دون اتمام الرحلة ، وخلال عام 1922 م وعام 1924م ، صادفت محاولاته للطيران الى الشمال انطلاقا من سبتزبرجن نجاحا أكبر ، لكنه لم يتمكن من اجتياز المحيط المتجمد الشمالى والقطب الشمالى الا فى عام 1926م ، وبعد سنين من ذلك ، حاول الأيطالى نوبيلى Nobile تكرار العملية ، ولكن منضاده أصطدم وتحطم فوق مناطق الجليد الطافى الى الشمال من سبتزبرجن ، وعلى الرغم من أن البقية الباقية على قيد الحياة من ركاب المنضاد كان معهم جهاز ارسال لاسلكى ، فقد مضت بضعة أيام ، قبلما يتيسر سماع اشارات الاستغاثة الصادرة عنهم ، وقد أرسلت عدة بعثات نجدة ، وتم فى النهاية انتشال الناجين .

ولكن أحدى البعثات فقدت ، وكانت هذه البعثة تشمل أمندسن والطيار الفرنسى المرافق له ، وكانا قد غادرا تروlسو Tromso فى شمال النرويج ، فى الثامن عشر من شهر يونيو عام 1928م للطيران الى سبتزبرجن ، وقد قدر الا يراهما أحد بعد ذلك مرة ثانية قط .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *