الفن المسيحى Christian art ، تاريخ واحداث الفن المسيحى

بدأ الفن المسيحى متخفيا ، ثم أخذ فى الأنتصار ، ابتداء من القرن الرابع ، وهو يخطو مؤكدا ايمانه من خلال المبانى وأشغال الموزايك ، وشتى الأعمال الفنية ، متدرجا نحو التوسع .

ولد الفن المسيحى ، واستقر فى جزء كبير من العالم ، يمتد من جبال اسكتلندا الى بلاد مابين النهرين ، ومن أسبانيا الى شبه جزيرة القرم ، ومن الحدود بين نهرى الراين والدانوب ، الى أفريقيا الشمالية ، قاطعا بذلك رحلة استغرقت ألف سنة ، عبر خلالها تاريخ الامبراطورية الرومانية ، وشاهد سقوطها ، كما شاهد غزوات البربر ، الى أن وصل الى بداية العصور الوسطى ، ألف سنة م انضم خلالها التراث الهيلينى والتراث الرومانى الى عقيدة جديدة ، ليضعا أسس عالم يشع بالورع والحمية ، ألف سنة قبل مولد الفن الرومانى فى الغرب .

فن ولد فى أحضان الاستشهاد :-

وسط قلاقل خطيرة ، واضهادات قاسية ، قام المسيحيون الأوائل ، بخلق شبكة مكثفة من الشواهد الفنية ، كان الطريق الوحيد الذى سلكته ، يهدف الى تحقيق مثل دينى أعلى ، كان الرمز الدال عليه هى الكنيسة ، وهى التى كانت تبدو لهم صورة أرضية لعالم الغد .

ولد الفن المسيحى فى ايطاليا ، ورغم تنقلاته المتعددة ، ظل محتفظا بوحدة مذهلة ، وبعكس ما كان يمكن أن يحدث له ، لولا ذلك الايمان الراسخ ، فقد تمكن من غزو امبراطورية شاسعة ، فى الشرق والغرب ، ورغم اختلاف الأجناس ، والثقافات ، والحضارات ، نجد أن بلدانا جد متباينة ، مثل اليونان ، والغال ، والبلقان ، والقسطنطينية ، وآسيا الصغرى ، وفلسطين ، ومصر ، وأسبانيا ، شرعت كلها ، وبطريقة تلقائية ، فى اقامة مبان متشابهة بدرجة عجيبة ، ولاشك فى أن جانبا من هذه الوحدة العجيبة ، راجع الى أن المسيحية الوليدة ، كانت تلامس الامبراطورية الرومانية ، التى كانت لاتزال فى عنفوان قوتها ، وقد تركت أثرها الثقافى والأجتماعى فى كل البلاد التى استعمرتها ، ومع ذلك ، فأن تلك الأمبراطورية ذاتها ، هى التى وجدت أن المسيحية تتحرك ضدها ، والواقع أن الأباطرة الرومان ، كانوا شديدى المعارضة للدين الجديد ، وقد نظم ديوكليتيان بصفة خاصة فى عام 303م ، حملة اضطهادية ، عنيفة ، ودموية ، وفى سبيل البقاء ، اضطر أنصار هذا الدين الجديد فى بداية القرن الرابع ، للتخفى ، ومع ذلك فأن المسيحية ، بأعتبارها عقيدة تشكل خطرا على العقائد الوثنية ، كانت تنتشر بطريقة أبعد ماتكون عن العلانية ، وذلك رغم كل ما كانت تلاقيه من ضغوط .

وفى أثينا ، كان القديس بطرس يدعو للدين الجديد فى السوق وفى الميادين ، وكان المؤمنون يجتمعون فى منازل خاصة ، ليكسروا الخبز ، أحياء لذكرى العشاء الأخير ، وبدأ المسيحيون يهجرون أماكن العبادة الرسمية تدريجيا ، وأخذت الشعوب التى تعتنق الدين الجديد ، تزداد عدادا شيئا فشيئا ، بلغت نسبة المسيحيين فى آسيا الصغرى ، فى عام 250 م ، 60% ، وفى نفس الوقت ، بدأ رجال الدين الجديد يكونون أنفسهم فى درجات ، ولما كان التغلغل المسيحى مازال غير قانونى ، فأنه لم يكن يلقى تسامحا ، ولم يعد المؤمنون يدينون بالطاعة لمندوبى الحكومة الرومانية ، بل قصروا طاعتهم على أولئك الأساقفة ، الذين ظهروا فى روما ، وقرطاجنة ، والأسكندرية ، وايفيز ، وأزعجت القوة المتزايدة لهذه الطائفة ، وهى قوة سياسية فعلية ، الأباطرة الرومان ، وهنا استعادت الاضطهادات شدتها ، ولكن المسيحيين ، غير هيابين ، كانوا يخرجون من كل محنة ، وهم أشد قوة ، وجنبا الى جنب مع طقوس التعميد ، كانت شعائر الموت تتخذ أهمية متزايدة ، وشيئا فشيئا أخذت الحضارة المسيحية تقيم بنيانها .

وكان لهذا التقدم البطىء أثره على العمارة ، وكانت البداية ، هى اقامة أولى الكنائس ، التى لم تكن تتعدى قاعة بسيطة مستطيلة الشكل ، وكانت دائما تخفى طبيعتها بجدران خلت من النوافذ ، وتحيط بها بعض المبانى السكنية ، كما نشاهد فى بقايا كنيسة دورا يوروبوس التى بنيت فى عام 230 م ، ببلاد مابين النهرين .

كان الغرض من ” سراديب الموتى ” فى روما بصفة خاضة ، هو الدفن ، ولكنها تحولت نتيجة الى للاضطهاد ، الى أماكن للاجتماعات السرية ، فضلا عن ذلك ، فأن مذهب الشهداء أدى الى ظهور مبان فى الهواء الطلق ، عرفت بأسم مارتيريا Martyria وهيروا Heroa ، وهى معابد وأضرحة مثمنة الشكل أو دائرية ، أستلهمت من الآثار الرومانية ، يوجد أقدمهافى المذبح الكبير ، بكنيسة القديس بطرس فى روما ، وللاحتفال بذكرى الشهيد المتوفى ، وللاجتماع لمناسبة الوليمة الجنائزية ، نشأت من تلك المبانى أشكال ضخمة ، من طراز الكنائس البازيليكية ، لها محراب وقبة .

كانت أولى الرسوم المسيحية ، هى التى وجدت آثارها داخل سراديب الموتى ، وهى عرض لرموز مستقاة من الأساطير اليونانية اللاتينية ، صورت لتتناسب والدين الجديد ، رمز المصلية ، ورموز عبور البحر الأحمر ، والحوت ، وشجر الكرم ، ويلاحظ أن المسيح لم يتمثل فى تلك الرسوم ، الا على شكل ” الراعى الصالح ” ، وهو عادة شاب يرتدى الزى الرومانى .

كما يلاحظ أن السيدة العذراء ، قد رمز اليها فى سرداب سانت بريسكيل بروما ، وفى رسوم الفريسك بسرداب القديس بطرس والقديس مارسلان ، أن الأمر هنا يتعلق بشكل تعبير فنى شعبى أساسا ، يغلب عليه الايجاز ، كما أن التأثير التصويرى ، كان هو الآخر يونانيا رومانيا ، وان كنا نجده فى كل أشكال الفن المسيحى الأول .

كما أن أقدم التوابيت الحجرية ، تتبع هى الأخرى نفس الخطوط المتبعة فى رسوم الفريسك ، كان ظهورها بعد أولى الأعمال التصويرية ، بنحو ثلاثين عاما ، ولذلك نجدها قد تأثرت تأثرا واضحا بالتراث الوثنى ، وعلى ذلك فأن الفن المسيحى فى ذلك العصر ، يبدو مجرد فرع ضئيل من الفن القديم ، الى أن تولى قسطنطين الحكم ، فسمح للفنانين المسيحيين بالتحرر من التأثيرات الوثنية ، وبصدور مرسوم ميلانو ” عام 313م ” الذى أضفى الصفة الرسمية على الاعتراف بالدين الجديد ، أخذت الديانات القديمة تخلى مكانها لمسيحية منتصرة .

كنائس بازيليكية بالآلاف :-

نحن الآن فى القرن الرابع ، أن الأمبراطور الرومانى الجديد ، لم يتردد فى اعتبار نفسه الحوارى الثالث عشر أو أسقف الرب ، كان ذلك بداية عصر ورع وحمية ، وأصبحت الشعائر التى كانت تقام فى الخفاء ، مظهرا حفليا رسميا ، والى هنا ، لم يكن المسيحيون يعرفون عقيدة دفينة ، تواجه المطاردة من كل صوب ، ولأبراز انتصار المسيح على الأرض ، كان الأمر يستلزم انشاء مبان فخمة متسعة ، كانت الحاجة ماسة الى الأماكن ، والى الكثير منها ، وكان ذلك يقتضى ايواء آلاف المساعدين ، ولتحقيق ذلك ، تم تسقيف الكنائس القديمة ، التى كانت أشبه بالأسواق المكشوفة ، وأصبحت الضخامة هى القاعدة ، وأبرزت فخامة الزخارف بأضاءة فنية رقيقة ، كما تشاهد فى كنائس سانت ماكسانس ، وسان جان دى لاتران البازيليكية فى روما ، وفى كاتدرائية أورليانزفيل ” حاليا ، الأصنام فى الجزائر ” ، وثمة تطور جديد تجلى فى تراكب الكنيسة البازيليكية والضريح ، من العصر السابق ، وهكذا ظهرت الكنيسة ذات المحراب ، والجناح الملتف حول الكورس ، من الطراز الرومانى ، التى نشاهدها حول روما ، فى كنائس سانت اينيس وسان لوران هور – ليمير ، وبصفة خاصة فى كنيسة القديس بطرس ” حوالى عام 325م ” ، وهذه الكنيسة البازيليكية الأخيرة ، كنيسة تذكارية ، بها آثار مقدسة ، شامخة الأبعاد 112 م  طولا ، وجناحها بعرض 58م ، أما الأراضى المقدسة ، فقد أقيمت فيها كنيسة الميلاد التى أنشئت فوق المغارة ، أما فيما يختص بكنيسة جولجثة البازيليكية ، فيمكن القول بأنها أجمل الكنائس التى من هذا الطراز .

ثم ظهرت الأضرحة المستقلة عن الكنائس ، والكنائس الخالية من الأضرحة ، ومن النوع الأول ، ضريح سانت صوفى الرائع فى بيزنطة ، وضريح سانت كونستانس فى روما ، ومن النوع الثانى ، كنيسة سانت مارى ماجور فى روما ، وكل هذه الكنائس مكسوة تماما بالذهب والفضة والموزايك ، والرخام النادر ، وكان ذلك مبعث طمع القوط الغربيين فى عام 410 م ، الذين نهبوا المدينة الخالدة ، أما عن رسوم الفريسك فى المبانى التى أقيمت قبل وبعد العصر القسطنطينى ، فلم تصل الينا منها سوى بعض الآثار ، غير أن العديد من صور الفريسك أو المحرابية ، بقيت لحسن الحظ ، فى مصر ، وكانت أعمال الموزايك ، التى أضفى عليها الرومان درجة فائقة من الكمال الفنى ، تستخدم فى التبليط ، وقد ظل الفن المسيحى ، بالطبع ، يواصل زخرفة الأرضيات بالموزايك ، ولكنه استخدمه أيضا فى زخرفة الجدران والقباب .

كانت أشغال الموزايك الجديدة هذه أكثر نمنمة ، وقد أضيفت اليها مكعبات من عجينة الزجاج الملون ، وبدا التأثير الفنى لهذا العمل ، يختلف كثيرا عما كان يمكن أن تكون عليه التركيبات القديمة ، فهو يبدو أكثر تألقا ، وأكثر خطية ، وبصفة خاصة أكثر نمنمة ، وذلك بفضل تركيبات من ألوان تكميلية ، ولدينا العديد من الشواهد على الرسوم الأيقونية ، ان التصوير المسيحى على الخشب ، يتدرج بطريقة طبيعية من اللوحات الرومانية الواقعية ، الى الأشكال الدينية .

وفيما يختص بالنمنمات ، فهى تكون مجالا خاصا شديد الأفصاح ، ان العمل الذى نفذ على المخطوطات ، يشكل أستمرارا متصلا بين التصوير اليونانى الرومانى والتصوير البيزنطى ، وكل هذه الأشكال الفنية ، فى نفس الوقت الذى تلقى لنا فيه الضوء على آخر مظاهر العصور القديمة ، تسمح لنا بالتنبوء ببدء تفتح طراز جديد ، يوشك على الظهور فى بيزنطة ، وفى عام 395 م ، أنهارت الأمبراطورية الموروثة عن روما القديمة ، وانقسمت الى قسمين منفصلين ، الشرقية والغربية ، ومنذ بداية القرن الخامس ، توالت الأغارة المدمرة ، فسقطت بلاد الغال فى أيدى الفرنجة والبرجنديين ، والقوط الغربيين ، وسقطت ايطاليا فى أيدى القوط الشرقيين .

الأيمان ينتصر على الغزاة :-

كان الملك ثيودوريك يحترم الكنيسة ، وقد تابع برنامجا انشائيا استوحاه من الشرق ، وكذلك من الغرب ، فحظيت روما بكنيسة سانت سابين ، وهى ذات تصميم بازيليكى ، وبمعمدة الأرثوذوكس ذات التصميم المركزى ، والزخرفة بمعجون المرمر والموزايك ، ومع ذلك فان التحف الحقيقية ، كانت من نصيب رافينا مقر اقامة الملك ، اذ حظيت بضريح جالا بلاسيديا ، وكنيستى سانت أبوللينيير لونوف ، وسان فيتال ، كانت تلك المجموعات الموزايكية مصدر فخر المدينة .

وفى فرنسا ، كان كلوفيس Clovis ، أول ملوك البربر ، والكاثوليكين ، ومؤسس مملكة الفرنجة ، من حماة الدين الجديد ، وقد عبر عن ايمانه بطريقة متألقة ، اذ أنشأ المجمع الدينى فى أورليانز ، وابتدأ من ذلك الوقت ، أخذ الملوك والأمراء يتنافسون فى مضمار المبانى ذات الطابع الدينى ، وقد أقام كلوتير الأول Clotaire 1 ، دير سانت ميدار فى سواسون ودير سان أومير فى روان ، وأسس شيلديبير دير سان جرمان دى بريه ، أما كنيسة سانت جنيفيف فى باريس ، فترجع الى الملك كلوفيس نفسه .

أما الطراز الميروفنجى ، فمثله كمثل الدولة الميروفنجية نفسها ، ويصعب تعريفه ، فمن حيث الشكل ، نجد أن كنائس القرن السابع ، تبدو كأنها تصغير وتبسيط للمبانى الدينية الكبيرة السابقة فى روما والأرض المقدسة ،وهكذا نستطيع أن نعبر عن الأحساس الذى نشعر به أمام كنيسة سان مارتان دانجير مثلا ، أما معمدية سان جان فى بواتييه ، فتبدو مستوحاه مباشرة من المبانى الجنائزية الأثينية .

والبقايا الأكثر دلالة على العصر الميروفنجى ، هى فى الواقع حفريات المقابر ، ذات الزخارف التى تجمع بين الطرازين الكلتى والاتينى ، والتى نجد فيها المورقات والحلزونيات ، مشتركة فى تصويرات بشرية ، تتسم بالرعونة ، وعلى العكس ، نجد مهارة عظيمة فى الفنون الصغرى ، مثل الطلاء بالميناء أو التذهيب ، وهى ” فنون يمكن نقلها ” ، بسهولة عظيمة ، وتفصح عن الأصل الرعوى لمبدعيها .

والواقع أن هذا العصر ، أضفى على أشغال الذهب ، تحولات فنية عظيمة ، تتجلى فى الأساور ، والدلايات ، واطارات الأوسمة الأمبراطورية ، والرؤوس النحاسية ، والأشغال السلكية ، التى مرت بدور ازدهار بارز ، هذا ، والطراز متعدد الألوان ، أضفى هو الآخر ، ثراء من الظلال الملونة ، كان جديدا تماما ، وقد اكتشفت كنوز ذات أهمية عظمى فى روسيا وقبرص وبريطانيا وآسيا الصغرى ، وفى كل من روما والقسطنطينية ، جمعت هذه الأعمال من أطراف الأمبراطورية ونشرت .

شارلمان : الأيمان النشط :-

تميز حكم شارلمان بفترة أستقرار ، كان لها الفضل فى اقامة مبان ضخمة ذات تأثير حاسم على التطور المعمارى فى المستقبل ، وكما كان الأمبراطور قسطنطين من قبل ، فقد أراد شارلمان أن يكون هو الآخر ” أسقف الرب ” ، فحذا حذوه فى مساندة البابوية ، لكى يحسن أستغلالها ، وكما كان سلفه فى روما ، أصبح هو فى فرنسا وألمانيا ” التى غزاها بحجة الدفاع عن المسيحية ” ، المؤسس لعمارة رسمية .

وبمساعدة عدد كبير من رؤساء الأديرة الشبان ، الذين نشأوا فى المدرسة الرومانية ، مثل ألكوين Alcuin الأمين ، أنشأ الأمبراطور الأفرنجى ، شبكة من الأديرة الأقليمية ، صارت ملاذا للآباء ، والمكان المختار لنهضة فن دينى قوى ونشط ، كما حدث فى بلاط أكس لاشاييل، ومن خلال لوحة نقشية من القرن 13 ، يبدو لنا دير سان ريكييه فى مقاطعة السوم  ، بالقرب من أميان ، مثلا على تلك العمارة الجديدة ، الذى يبدو شاهقا فى عيد الفصح ، بنقوشه الحجرية ، رمزا على الأمل الكبير الذى راود الشعب الكارولنجى فى الصعود الى مملكة السماء ، ان مذهب المتجولين ، الذى تقام شعائره فى ذلك الدير ، والتنقلات المستمرة بين الكنائس الثلاث المتميزة عن بعضها بعضا ، انما هى استلهام من الأماكن المقدسة ، ويتعقد هذا المعنى المقدس برمزية متشددة ، تحدد تحركات الرواد ، وتنظم التركيب المعمارى .

الدير يصبح مدينة كاملة :-

يعبر دير سان جال ، فى سويسرا ” المعروف من واقع رسم تخطيطى من القرن التاسع ” ، نقطة تراخ واضحة فى قوة الأيمان ، لقد أصبحت العقيدة أكثر سلبية ، ولم يكن الأمر من قبيل المصادفة ، أن تعددت الهياكل فى جناح الكنيسة ،وعرقلت حركة الجماهير ، وأخذ الأمل الساذج يضعف شيئا فشيئا ، وبدأت المسيحية تتجه نحو العصور الوسطى ، التى صارت يغلب عليها الشكل المرعب للحساب الآخر ، كما ورد فى أنجيل يوحنا .

ومع ذلك ، وكما هو الحال فى دير سان ريكييه ، نجد أن مبانى الخدمات ، قد نظمت بطريقة بالغة الدقة ، ففى الجهة الشرقية ، تقع المبانى الخاصة ، ومعها مخزن للمؤن كامل التجهيز ، وموضع للمرجل ، وفى الجهة الشمالية ، يوجد الجزء المخصص للضيوف ، وفى الغرب تقع الخدمات الأجتماعية ، مدرسة الأساقفة ومساكنهم ، وتحيط بهذه المبانى كلها حديقة فاكهة ، وبرج حمام ، ومقبرة ، وهكذا أصبح الدير مدينة كاملة .

ان كنيسة ايكس الخاصة الصغيرة ، المقامة الى جانب القصر ، تعد كنيسة امبراطورية ، على نمط أضرحة رافينا ، وقد روعى فى كل جزء منها ، تمجيد شارلمان ، ففى المنصة ، نجده جالسا على العرش ، مطلا على بلاطه ، وفى أشغال الموزايكو التى تواجهه ” لم يبق منها شىء اليوم ” ، يحتل رسم المسيح نفس الموضع وهو يطل على الحواريون ، والتشابه هنا لايكتنفه الغموض ، والخلاصة ، ان ايكس تبدو لنا كظاهرة انتصارية لفن شاب ، بمظهره الصلب ، والتجديد الواضح الكتل ، والتأكيد الرأسى على الخطوط ” كما فى سان ريكييه ” ، بأبرجه التسعة ، وكتلة البناء الضخم فى الجهة الغربية ، التى تعتبر سابقة الجرس المغطى ، والعمارة هنا حركية ، وتبعد كثيرا عن الأشكال الرومانية ، وان كانت قريبة جدا من الأشكال الرومانية .

بيزنطة مدينة الذهب :-

اذا كان تاريخ اختفاء الفن البيزنطى معروفا لنا تماما (1453)  الا ان مولده تكتنفه تفسيرات عديده  . ومع ذلك فباستطاعتنا ان نضعه مع بدايه حكم جستنيان  . لقد هذا الامبراطور  العظيم للامبراطوريه  الرومانيه الجديده  فى الشرق ( 527-565)  ” ان زمننا قد حقق ما رأى الرب ان العصور القديمه  لم تكن اهلا لتحقيقه  ”  وفى نفس الوقت  الذى  اعاد فيه غذو افريقيا  وايطاليا  ، والذى وضع فيه دستورا جديدا ، كانت تراوده امال عريضه  ، كان يعتقد  ان تحقيقها سوف يدهش العالم . وهكذا نجده  يفرض على مؤرخه الخاص ، ان يضع كتابا خاصا  بالمبانى  .

 وبذلك يكون الامبراطور المعمارى ، قد حدد بهذا الأسلوب المتألق ، أهم ما كان يشغل تفكيره ، ويرجع الفضل لجستنيان فى ابتكار طراز جديد من الكنائس المقامة على قاعدة مركزية ، دائرية أو مربعة ، أو كثيرة الأضلاع ، أو على شكل صليب خالص ، أو فى داخل مربع ، ومن النقاط الجوهرية ، أن الكنيسة صارت لها ، منذ ذلك الوقت ، عقود وقبة ، وكان هذا الشكل يوجد أيضا فى كل من البلقان ، وروسيا ، وفارس  ” مع بعض الاختلافات ” ، والهند الشمالية ” بالنسبة للمساجد ” ، وتركيا ، مبتدئا بميل الى طراز المارتيريا القديم للمسيحية ، كما أنه يتميز بصفة خاصة بظواهر طقوسية ، فالساحة الوسطى هى التى يجرى فيها القداس ، فى بلاد الشرق ، وهكذا ولدت تلك المبانى ذات التخطيط المتفرع ، حيث تتفرع فى كل أجزاء المبنى من المركز .

والنموذج الذى يمثل هذا النوع الجديد من العمارة ، يتجلى فى أيا صوفيا الثانية ، التى شيدت فى الفترة من 532 الى 562 فى القسطنطينية فى موقع الكنيسة الأولى التى كانت أقل منها حجما ، والتى أحترقت فى القرن الخامس .

تحد لقوانين وتوازن القوى :-

آلاف من العمال يتناوبون العمل فى ساحاته وفى المحاجر ، وعلاوة على المعماريين ، نذكر اثنين من البحاثة المحنكين ، برعا بصفة خاصة فى الحسابات ، وقاما بالأشراف على العمل ، وبفضلهما أصبحت سانت صوفيا تتحدى كل قوانين وتوازن القوى ، فالقبة التى يبلغ قطرها 31 م ، وارتفاعها 55 م ، ” سبق أن أنهارت وأعيد بنائها ” ، انما تقوم بمعجزة ، اذ لايحملها سوى أربعة أعمدة تظهر من الخارج ، ونصفى قبتين صغيرتين جانبيتين ، وتخطيطها به شىء من التناقض ، فهى حركية لأنها مستطيلة ، وساكنة بسبب القبة الصغيرة ، والمنظر الأجمالى يوحى بالتناقض ، فهو من الخارج يوحى بالضخامة ، ومن الداخل بالخفة ، بفضل أثر معمارى خداعى ، ان سانت صوفيا ، بحق ملكة الفن البيزنطى ، تبدو وكأنها تشع نورا ، بدلا من أن تستقبله .

من معاداة للتقاليد الأيقونية الى النهضة الشرقية :-

بعد أنتهاء حكم جستنيان بمائتى سنة ، أصبحت القسطنطينية مسرحا لأنطلاقه عنف لامثيل لها ، كانت العناصر الآسيوية من السكان ، ترى أن الصلاة أمام تماثيل الرب ، انما هى ضرب من عبادة الأصنام ، واذا بنوبة من العنف الجامح تمتلك المتعصبين منهم ، وتسفر عن قيام الأباطرة المعادين للأيقونية ، بتدمير العديد من التحف الفنية ” وعرفوا بمهمشى الصور ” ، وكل من كان يجرؤ على معارضة هذه اللوثة التدميرية ، كان جزاؤه الأعدام ، وقد قطعت يد بعض المصورين الدينيين ، فى حين لجأ آخرون الى أيطاليا ، أستمرت أعمال العنف والنهب والتدمير قرنا ونصف القرن ، وفى القرن التاسع ، بدأت أخيرا نهضة جديدة ، عرفت بأسم النهضة المقدونية ” استمدت الهاماتها من الفن اليونانى ” ، وبدأ الحماس للثقافة القديمة ، يواكب الحمية الدينية ، وقامت جامعة القسطنطينية المزدهرة ، بجمع مخطوطات المؤلفين اليونانيين ، وفرض طراز بانتو كراتور Pantocrator نفسه على أشغال الموازيك وفى مجال العمارة ، أعطيت الأسبقية للكنيسة التى على شكل الصليب المعقوف ، والتى يمتد جانبها بثلاثة محاريب ، كان الغرض منها الأحتفال بالقداس ، كما أحيطت بسور يحجبها عن نظر المؤمنين .

وعلى هذا الطراز ، بنيت كنيسة كريست أكاليبتوس فى القسطنطينية ، وسان ليك انفوسيد ، وسان تيودوردى ميسترا ، فى اليونان .

الأيقونات تنتقل :-

فى الفترة بين استيلاء الصليبيين على القسطنطينية فى عام 1204 م ، ودخول السلطان محمد اليها منتصرا ، خبا فن البلاط ، وفى الأقاليم ” الصرب ، وبلغاريا ، وايبيريا ، ومقدونيا اليونانيتين ” ، أقيمت كنائس صغيرة ذات قباب ، على قواعد مربعة ، كانت هذه الكنائس متواضعة فى مظهرها ، تشبه مبانى المسيحيين الأوائل ، كما أنها كانت آخر الأنشطة المعمارية فى القسطنطينية ، التى حل بها الأسلام .

كانت أشغال الموزايك والفريسك من الطراز البيزنطى ، أكثر ثراء فى الغرب اللاتينى منها فى الشرق ، وذلك بسبب تعرض هذه الأخيرة لتلفيات كبيرة ، نتيجة حركة تحطيم التماثيل والصور الدينية ، وأعمال النهب التى تعرضت لها المدينة من جانب الصليبيين والأحتلال العثمانى ، وقد نقل بعضها الى فرنسا وايطاليا وألمانيا ، وانتقلت أخرى ، اذا صح التعبير ، الى ثنايا فرشاة مبتدعيها ، وبعد أن تخلص هؤلاء الفنانون من الأنتفاضة التى غمرت وطنهم ، عادوا الى عالم الخيال ، ليحلموا بنفس الحلم الذهبى ، تحت سماء ، قد تكون أقل أشعاعا ولكنها أكثر كرما .

وما أن بدأ العام الألف ، حتى ظهرت أوروبا جديدة حديثة الولادة ، مؤذنة بانتهاء العصور الأولى للمسيحية ، وفى عالم جديد ، استطاعت المسيحية أن تشع فيه اشعاعا أكثر ازدهارا منه فى أى وقت مضى ، كان الفن الرومانى على وشك الظهور ، وعلى كل حال ، ورغم اغارات البربر ، فأن القرون الأولى من العصر المسيحى ، جمعت من الثراء الفنى ، ماهيأ للفن الغربى فرصا عديدة لاستلهامه ، وايجاد مصادر جديدة له ، فى حين استمر مسيحيو الشرق فى الأغتراف منه حتى يومنا هذا ، واذا كان الدين المسيحى ، فى نهاية الألف الأولى من عمره ، على وشك أن ينتج أشكالا فنية أكثر تطورا ، وأكثر رقة ، الا انه لايحتمل أنه سيستطيع فى أى وقت آخر ، أن يجد نفس الحمية ، والورع ، ونفس الحماس ، والايمان ، الذى يبدوا أنه ترك آثاره فى كل شىء ، حتى فى قلب الحجر .

نتيجة بحث الصور عن الفن المسيحى

نتيجة بحث الصور عن الفن المسيحى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *