حياة وتاريخ وليم شكسبير William Shakespeare ، مالم تعرفه من قبل عن وليم شكسبير

مما يحكى عن أحدى السيدات الأمريكيات ، سئلت ذات مرة عن رأيها فى مسرحيات شكسبير Shakespeare ، فكانت أجابتها ” لا أراها شيئا عظيما أنها مجموعة من الأقتباسات ” ، وقد لانوافق على رأى هذه السيدة ، التى لاشك فى أنها جنحت الى الخيال ، ولكننا ، من جهة أخرى قد تخطر لنا فكرة وجيهة ، وهى أنه اذا كان فى الأمكان أن نعثر على رجل أنجليزى عادى لم يقرأ أحدى مسرحيات شكسبير ، أو يشاهد عرضها على المسرح ، فأنه لابد شاعر ، عندما يبدأ فى قراءتها لأول مرة ، بأن بعض سطورها أو عباراتها ليست غريبة عليه ، بل من المحتمل أنه سمع بعض العبارات التى تتردد فى مختلف مسرحياته مثل ” البقاء أو الفناء ” ، أو ” تلك هى المسألة ” ، أو ” اثبت يامكدوف ” ، أو ” مملكتى مقابل جواد ” ، أو ” العالم كله عبارة عن مسرح ” ، أو ” نظرة دنيئة جائعة ” ، أو ” مقدار رطل من اللحم ” .

اعجاب عالمى :-

جرت عادى أسرى الحرب البريطانيين ، أثناء الحرب العالمية الثانية ، على أن يستعرضوا مسرحيات شكسبير للترفيه عن أنفسهم خلال الساعات المملة ، التى كانوا يقضونها خلف الأسلاك الشائكة ، ولكن قبل أن يتمكنوا من الحصول على التصريح لهم بعرض تلك المسرحيات ، كان عليهم أن يوافقوا على رأى النازيين ، بأن شكسبير كان من أصل ألمانى ، والحقيقة أننا لانستطيع أن نقدر مدى الأعجاب العالمى الذى تلاقيه مسرحيات شكسبير ، فقد سحرت مسرحياته التى أخرجت على مسارح موسكو ألباب المشاهدين ، فى حين أن الترجمة التى قام بها بسترناك Pasternak لبعض مسرحياته ، جعلت تلك المسرحيات مألوفة لدى الكثيرين من الروس ، ولاحاجة للقول بأن مسرحيات شكسبير يجرى عرضها بأستمرار فى جميع بلدان أوروبا ، وأن أعماله ترجمت الى عدد من اللغات يفوق ماترجمت اليه أى مؤلفات أخرى ، كما أن معظم الممثلين أمثال ريتشارد بوربيدج Richard Burbage ، وهنرى ايرفنج Henry Irving ، ومسز سيدونز Mrs. Siddons ، وجون جيلجود John Gielgud ، ترجع شهرتهم  الى أنهم قاموا بتمثيل شخصيات شكسبير ، ويكاد اسم شكسبير يكون مرادفا لأسم المسرح البريطانى ، فقد وضع له معايير لايمكن أن يوجد لها شبيه ، ولو عن قرب .

بداية غامضة :-

ان شهرة شكسبير ككاتب ، لاتكاد تقل عن غموض شخصيته كأنسان ، وهناك من يتساءلون هل حقيقة أن شكسبير ، مهما كانت شخصيته ، كتب فعلا تلك المسرحيات التى تحمل اسمه ؟ ان بعضا يعزونها الى فرنسيس بيكون Francis Bacon ، أو الى كريستوفر مارلو Christopher Marlowe ، كما أن هناك بعض النقاد ممن يقولون ، بأن هناك ثلاث مسرحيات على الأقل لم يكتبها شكسبير ، وان كانت ترد دائما ضمن مجموعة مؤلفاته ، وهذه المسرحيات هى تيتوس أندرونيكوس Titus Andronicus ، وبركليس Pericles ، وهنرى الثامن Henry VIII ، ولكن الشىء المؤكد ، هو أن وليم شكسبير شخصية حقيقية ، واذا قدر للغموض الذى يكتنفه ان ينجلى ، فأنه من المحتمل أن يثبت أنه هو المؤلف الفعلى لكل المسرحيات الشيكسبيرية ، التى قد تكون أعظم ما كتب من مسرحيات .

ولد شكسبير فى شهر أبريل من عام 1564 م فى ستراتفورد أون آفون Straftord-on-Avon ، وكان والده تاجرا ناجحا يدعى جون شيكسبير ، ومما لاشك فيه ، أنه تلقى تعليما جيدا فى المدرسة المحلية ، وأن ماقاله عنه الناقد المشهور بن جونسون Ben Jonson من أنه ” كان يعرف القليل من اللاتينية والأقل من القليل من اليونانية ” ، مما يدل على أنه كان فعلا يعرف بعض هاتين اللغتين ، وقد حصل شكسبير قدرا كبيرا من المعلومات التاريخية ، سواء فى المدرسة أو فى منزله ، وقد صرح المؤرخ العظيم الدوق أوف مارلبورو Duke of Marlborough ، بعد وفاة شكسبير بقرن من الزمان ، بقوله ” ان كل ماتعلمته من التاريخ ، انما كان من شكسبير ” .

وفى عام 1582 م تزوج شكسبير من آن هاثاوى Anne Hathaway ، وهى احدى فتيات ستراتفورد أون آفون ، وكانت تكبره بثمانى سنوات ، وقد أنجبا ثلاثة أطفال ، بنتا تدعى سوزانا Suzannah ، وتوأمين هما هامنيت Hamnet وجوديت Judith ، وفى تلك الفترة ، ينكشف لنا بعض الغموض الذى يكتنف حياته عن طريق قصة مشهورة ، وان لم تكن مؤكدة ، مؤداها أنه نزح الى لندن هربا ، بعد أن سرق غزالا من الغابة المتاخمة للقرية .

النجاح فى لندن :-

ومهما يكن الدافع وراء انتقال شكسبير الى لندن ، فانه وصلها فى عام 1587 م ، ولم تكد تمضى سنتان على وصوله 1589 م ، حتى أصبح مالكا لمسرح بلاك فريارز Blackfriars ، أما عن مهنته السابقة ، فهى غير معروفة على وجه التأكيد ، شأنها فى ذلك شأن كل ما يتعلق به ، ومن المحتمل أنه كان يعمل فى التدريس ، ولم يمض وقت طويل عليه ، حتى كان قد كرس نفسه تكريسا كاملا للمسرح ، ولعل أو وظيفة شغلها كانت وظيفة الممثل ، والواقع أنه بعد ذلك كان كثيرا مايقوم ببعض الأدوار القصيرة فى مسرحياته ، من ذلك مثلا دور الشبح فى مسرحية هاملت Hamlet .

ومما لاشك فيه أن التأليف المسرحى فى بداية أمره ، كان خاضعا لمهنة التمثيل الشاقة ، ولكن شهرة شكسبير كمؤلف مسرحى فى عام 1592 م ، كانت كافية لأن تجعل احدى المسرحيات التى ألفها روبرت جرين Robet Greene تتضمن اشارة ، وان كانت غير سارة ، الى شكسبير ، وفى عام 1594 م ، عندما ظهرت الطبعة الأولى من أحدى مؤلفاته ” قصيدة فينوس وآدونيس ” Venus and Adonis ، كان شكسبير يتمتع برعاية لورد ساوثامبتون Lord Southampton الثرى .

وابتداء من عام 1594 م ، أخذت مسرحياته تنتشر بأنتظام ، وكان ذلك هو العام الذى أصبح فيه عضوا بارزا فى أحدى الفرق التمثيلية المعروفة بأسم فرقة ” رجال اللورد تشامبرلين ” Lord Chamberlain ، وهى الفرقة التى كتب لها معظم مسرحياته ، وفى عام 1597 م ، بلغ من النجاح حدا مكنه من أن يبتاع منزلا من أحسن منازل ستراتفورد ، يسمى ” المنزل الجديد ” ، وفى العام التالى أصبح شريكا فى ملكية مسرح الجلوب Globe Theatre ، الذى كان قد بنى فى ساوث وارك Southwark لعرض مسرحياته على خشبته ، ويبدو أنه كثيرا ما كان يتنقل بين ستراتفورد ولندن ، حيث كان يتردد على أحد المقاهى المشهورة فى شارع فليت يدعى ” عروس البحر ” Mermaid ، وهناك كان يجتمع بين جونسون ، وبومونت Beaumont ، وفليتشر Fletcher ، ويشتركون فى تبادل المناظرات التى كانت بلاشك مبعث تسلية لباقى الحاضرين .

وفى عام 1612 م استقر اخيرا فى ستراتفورد ، وقضى السنوات الأخيرة من حياته فى محاولات متقطعة للتأليف ، الى أن توفى فى عام 1616 م ، وهو بعد فى الثانية والخمسين من عمره ، وقد رثاه بن جونسون ، الذى كان هو الآخر من كتاب العصر الامعين ، فقال ” اننى أحب الرجل وأبجل ذكراه ، ونحن فى هذا الجانب من الحياة كأسمى مايكون التبجيل ، كان رجلا أمينا حقا ، وكان صريحا ذا طبيعة متحررة ” .

عظمة شكسبير :-

ان لم تكن حياة شكسبير مما يمكن أن توصف بالثراء الفاحش ، أو بالبؤس ، أو بما يتخللها من مشاكل ، فهو لم يكن يشبه بيتهوفن Beethoven ليقاسى من عذاب المرض والصمم ، ولادانتى Dante الذى كان يبعث بصرخاته العالية من غياهب المنفى ، أما كيف أمكن لمثل هذا الرجل الذى يبدو طبيعيا ، أن يستكشف من خلال مسرحياته كل تلك الجوانب من العواطف الأنسانية ، من انفعالات المآسى العميقة ، الى الفكاهة الشعبية فى مسرحياته الهزلية ، فهو أمر ليس بأقل بعثا للحيرة مما يحيط بشخصيته ، وبقدر ما كانت حياته العامة حياة عادية ، فمن الواضح أنه كان يدرك كل مايمكن أن تنطوى عليه أخلاق البشر من سمات .

لقد كتب شكسبير ما لايقل عن 154 أرجوزة ” قصيدة غنائية ” ، وبعض هذه القصائد الغزلية الجميلة كتبها الى ” الجمال الأسود ” ، وهى شخصية لايبعد أن تكون احدى قصص غراميات شكسبير ذات الجانب الواحد ، وفى عصر كانت فيه اللغة الأنجليزية فى أوج ازدهارها ، اكتشف فيها شكسبير آفاقا جديدة من الجمال الشعرى ، فأسلوب جولييت السلس ، والبرود المتعالى فى أسلوب الملك لير ، يسموان كثيرا فوق أسلوب الحديث العادى ، ومسرحية العاصفة تتضمن الكثير من الفقرات الرائعة ، بخلاف حديث بروسبيرو Prospero القائل :-

ان القباب التى تعلوها السحب ، والقصور الفاخرة

والمعابد المهيبة ، والكرة الأرضية العظيمة نفسها

أجل ، وكل ماخلفته ، سوف يتلاشى ،

وهى مثل هذا البهاء الزائف سوف تذبل ،

ولاتترك وراءها أثرا ، هكذا خلقنا ،

كأننا أطياف أحلام ، وحياتنا القصيرة ،

يكتنفها الكرى

أما شكسبير المؤلف المسرحى ، فيكاد يكون كاملا ، فالتلاحم بين شخصياته محدد وواضح ، واحساسه بالزمن والنتائج احساس رائع ، وانك لتجد مشاهد المسرحية تنتقل انتقالا سريعا من قارة الى أخرى  ” كما فى مسرحية أنطونيو وكيلوباطرة ” ، دون أن يفقد المشاهدون الاحساس بتتابع الأحداث ، أو يبتعدون عن ملاحقتها .

الشخصيات المعقدة :-

ان عبقرية شكسبير لتتجلى فى أروع مظاهرها فى شخصياته ، ان الأدوار الثانوية ، مثل أدوار بولونيوس Polonius ، ومركوشيو Mercutio ، واينوبارباس Enobarbus ، وجاك Jacques ، تبرز شخصيات ظلت تجذب اليها المشاهدين طيلة قرون ، أما المهرجون والمغفلون ، ومنهم بوطوم Bottom ، وفالستاف Falstaff ، اللذان كان ” فى استطاعتهما ان يتكلما بأكثر مما حدد لهما ” ، فقد كانا قادرين على استدرار ضحكات مشاهديها ، بنكاتهما الخشنة الوضيعة والمكشوفة ، ولامغالاة فى أن جميع المشاهدين يشعرون بالتأثر العميق لمواقف هاملت ، وماكبث ، وعطيل ، ولير ، وهم يتردون فى الكوارث ، فى ظروف لايمكن وصفها الا بأنها ” مأسى شيكسبيرية ” ، ولكن الناحية الأقرب الى المأساة ، تكمن فى أن ترديهم هذا ، كان ناتجا عن انحرافات فى أخلاقهم نفسها ، كما ان تدله أنطونيو فى حب كيلوباطرة ، قد ألهاه عن واجباته نحو الأمبراطورية ، فنجده يقول ، وهو يهم بتقبيلها ” فلندع روما تذوب فى نهر التيبر ، ولندع العقد العظيم الذى تقوم عليه الأمبراطورية يتداعى … فهنا يوجد مكانى …. ان شرف الحياة يقتضى أن نفعل هكذا ” .

كما أن كبرياء كوريولانوس Coriolanus ، وطموح ماكبث ، وغيرة عطيل ، وتردد هاملت ، كل هذه الأحساسات أدت الى سقوطهم .

ان شخصيات شكسبير من التعقيد ، وفى نفس الوقت من الأقناع ، لدرجة أن طلاب الأدب لايترددون فى مناقشة دوافعها الحقيقية ، كلما كان هناك مجال للنقد الأدبى الجاد ، وهم يتساءلون هل كان الملك لير مجنونا ؟ وهل يمكن حقا ادانة ريتشارد الثالث بأنه شرير ، وهو الذى ” بعث الى هذا العالم الحى ناقص التكوين ” ؟ ” هل كان هاملت ينوى فعلا قتل عمه ، أم أنه اضطر لذلك عندما علم بأنه هو نفسه قد سمم ” ؟ ولا يسعنا الا أن نتدارس شخصيات شكسبير المأساوية ونتأملها ، فقد نصل الى النتيجة الخيالية التى وصلت اليها سيدة أمريكية أخرى قرأت ” ماكبث ” على أنها قصة بوليسية .

مسرح شكسبير :-

كان المسرح فى عهد اليزابيث جد مختلف عنه فى أيامنا هذه ، كانت دور المسارح من الخارج ، تبدو وكأنها أبراج قلاع غير مسقوفة ، أما من الداخل ، فقد كان هناك بروز هو خشبة المسرح الأمامية ، خالية من الستائر وتصل الى صفوف النظارة ، وكانت تمثل فوقها المشاهد الخارجية ، كما كانت هناك خشبة داخلية ذات ستارة ، لتوحى بالمشاهد الداخلية ، وكذلك خشبة علوية تمثل الشرفات ، وكانت الشخصيات البارزة من النظارة تجلس فوق الخشبة الأمامية ، أما فى الأرضية ، فكان يجلس المتواضعون من النظارة ، بينما يجلس الأثرياء فى الألواج الجانبية .

ولما كانت المناظر المستخدمة قليلة ، فأن المؤلف كان يستطيع أن يغير المنظر كلما أراد وبسرعة كبيرة ، هذا ولعدم وجود العنصر النسائى ، فأن الأدوار النسائية كان يقوم بها صبيان ، وكانت المسارح تبنى من الخشب ، وقد حدث فى عام 1613 م ، أن شبت النار فى مسرح ” الجلوب ” نفسه ، وأتت على الأوراق الخاصة بشكسبير ، وهى التى كان يمكن أن تكون لها قيمة لاتقدر للدارسين اللاحقين .

نتيجة بحث الصور عن شكسبير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *