أول من أكتشف التطعيم

ليست فى بريطانيا اليوم سوى حالات نادرة جدا من الجدرى ، حتى لقد أصبحت هذه الكلمة بالنسبة لكثيرين مجرد أسم ، ولكن حتى مائة وخمسين سنة مضت كان الجدرى من أكثر الأمراض أثارة للخوف لدى الأوروبين بعد الطاعون ، وكان الجدرى فى اوائل القرن الثامن عشر يقضى على حياة نحو نصف مليون شخص تقريبا سنويا فى أوربا الى جانب ألاف اخرى فى آسيا ، وفى بريطانيا كان الجدرى يتسبب فى وفاة واحدة من بين كل أثنتى عشرة وفاه .

شاب مصاب بالجدرى المميت قديما

أما من ينجو من هذا المرض فيظل مشوها مدى الحياة بسبب تلك الآثار أو الكلوم التى تتركها البثور التى تظهر على جميع أنحاء الوجه والجسم أثناء المرض ، ومن الآثار الأخرى التى تتخلف عن الجدرى الأصابة بالعمى والصمم ، وكان هذا يعنى أن يفقد الفتى حسن الطلعة وتفقد الفتاه جمالها ، أذ يمكنك أن تتصور كيف يبدو الأطفال الذين أصيبوا بالحصبة أو الجديرى أذا ماتركت كل بقعة ندبة غائرة ، وكان الجدرى معديا الى درجة كبيرة أذ من الممكن أن يصاب الأنسان بالعدوى لمجرد لمسه لأى جزء من جسم المريض بالجدرى أو حتى ملابسه .

فتاه مصابه بالجدرى المميت قديما

أكتشاف التطعيم :-

وفى أواخر القرن الثامن عشر بدأ طبيب ريفى انجليزى فى القيام ببحث جديد ومبتكر ، فعندما كان أدوارد جينر طالبا يدرس الطب سمع فتاة ريفية تقول ( أننى لن أصاب بالجدرى لأننى أصبت من قبل بجدرى البقر ) .

ادوارد جينر مكتشف مصل الجدرى

ونقل جينر هذا الكلام الى صديقه ومعلمه الجراح الكبير جون هنتر الذى تحدث فى محاضراته عن هذه العقيدة الريفية ، وهى أن جدرى البقر يحصن الناس ضد الجدرى ، وأثناء عمله بالريف ومن خلال أسئلته للمزارعين من أهل المنطقة ، اكتشف جينر أنهم كثيرا ماتنتقل اليهم عدوى هذا المرض الحميد جدرى البقر عن طريق بقراتهم ، وكان الشفاء يتم بالنسبة لهؤلاء المزارعين والفلاحين دون أن يترك المرض ندبات ، كما أن الفتيات الاتى يعملن بحلب اللبن اشتهرن ببشرتهن الصافية ووجوههن التى لاتشوبها شائبة ، وكان ذلك أمرا نادرا بين النساء فى ذلك الوقت .

وأقتنع جينر بأن جدرى البقر أن هو الا نوع من الجدرى وأن من يصاب به يصبح محصنا ضد النوع الأكثر خطورة .

وواته الفرصة يوم 14 مايوعام 1796 حين أصابت العدوى يد الفتاه ساره نيلمس ممن يعملن بحلب الأبقار أثناء عملها ، فقام جينر بسحب السائل أو الطعم الليمفاوى من القرح فى يد الفتاه ثم قام بتطعيم فتى سليم الجسم يدعى جيمس فيبس بهذا الطعم الليمفاوى ، وكان هذا أو تطعيم قام به وكان ناجحا تماما ، فقد تم تطعيم الصبى ضد الجدرى وثبتت حصانته لهذا المرض ، وبذلك أثبت جينر أن فيروس الطعم فى مقدوره أن يعطى حماية كاملة ضد هذا المرض المخيف .

Edward-Jenner-2-300x194

وحتى عام 1798 كان جينر قد قام بتطعيم ثلاثة أخرين من المرضى ، وكانت النتيجة أن أصبحوا جميعا محصنين ضد الجدرى ، ثم ذهب الى لندن حيث شرح نتائج بحثه ، اذ كان يعلم ان واجبه يقتضيه أن يجعل أكتشافه معروفا على نطاق واسع بين الأطباء والرأى العام البريطانى وفى جميع الدول الأخرى ، حيث كان الجدرى يفتك بأرواح ألآف من الناس ، وفى لندن لقى جينر تكريما كبيرا من جانب الأسرة المالكة ومن الدارسين والعلماء والأطباء ، وكلنه رغم نجاحه كان يفضل الريف ويؤثره ولذلك رفض عدة عروض مغرية للبقاء وسرعان ماعاد الى قريته فى جلوستر شاير ليتابع عمله فى سلام .

الوسائل الأولى للتحصين :-

لاحظ الناس فى العصور القديمة أن من يشفى من مرض الجدرى لايصاب به مرة ثانية ، وقد أدى ذلك الى الأستنتاج بأنه مادام الشفاء ممكنا فى بعض الحالات ، فأن المرض قد يوجد بشكل مخفف ، ولذا كان من المستحسن آن يصاب المرء بالعدوى عن طريق الاختلاط بالمرضى المصابين به بصورة مخففه ، وبذلك يصبح المرء محصنا ضد المرض بقية حياته ، أذ أن أحدا لايصاب بمرض الجدرى مرتين ، وكان أهل الصين أول من مارس هذا النوع من التحصين فى القرن السادس الميلادى ، فكانوا يلبسون أطفالهم ملابس المصابين بالنوع الخفيف من المرض .

وفى اوروبا كانوا يطلقون على طريقة التحصين المعتادة كلمة التطعيم ، وكان الأطباء يأخذون السائل من بثور مصاب بالجدرى ثم يغمسون أبرة فى هذا السائل ويشكون بها من اراد تحصينه .

وقد بدأ ادخال التطعيم فى أنجلترا فى أوائل القرن الثامن عشر على يد ليدى مارى ورتلى مونتاجيو زوجة السفير البريطانى فى تركيا

الليدى مارى قبل ان يشوهها الجدرى

، أذ رأت مارى التى شوه الجدرى جمالها ، رأت نساء الأتراك يقمن بتطعيم أطفالهن بأعطائهن الشكل المخفف من المرض وغالبا ما كان يتم شفاؤهم منه ، وتم تطعيم ولدها ذى الست سنوات بنجاح ، فعادت أنجلترا وكلها حماس للعلاج الجديد ، ولكن سرعان ماتبين الأطباء أن التطعيم ضد الجدرى له أخطاره ، فلم يكن المرض الناتج عنه من النوع الخفيف دائما بل كان مميتا فى بعض الأحيان ، أذ كان يؤدى الى وفاة أربعة على الأقل من بين كل ثلثمائة شخص يتم تطعيمهم .

أنتشار التطعيم :-

وبحلول مارس عام 1801 أعلن جينر أنه تم تطعيم 100،000 شخص على الأقل فى بريطانيا وحدها ، وفى لندن أنخفضت نسبة الوفيات الى النصف تقريبا بعد أن كانوا حوالى 20000 شخص يموتون بالجدرى سنويا .

وسرعان ما أرسلت كميات من الطعم الليمفاوى الى بلاد عبر البحار ، وبدأ التطعيم فى فيينا ، وبرلين ، كما امتد حتى وصل الهند وأمريكا ، وفى هذه الأخيرة تم تحصين الرئيس جيفرسون وأسرته ضد هذا المرض بأستعمال الوسيلة الجديدة ، وحذا حذوهم ألاف من الناس .

الرئيس جيفرسون رئيس الولايات المتحدة

وبعد عشرين سنه من أدخال نظام التطعيم ، بدأ التبليغ عن حالات جدرى بين أشخاص سبق تطعيمهم ، ولم تحدث هذه الحالات بين الأطفال الذين كانوا فى الماضى أكثر الضحايا ، ولكنها حدثت بين البالغين من الشباب الذين تم تطعيمهم فى طفولتهم .

ومن ثم تبين أن الحماية ضد الجدرى عن طريق التطعيم لاتستمر مدى الحياة ، أذ تتناقص بمرور الوقت ، ولهذا كان من الواجب اعادة التطعيم على فترات أذا اردنا الحصول على حصانة مستمرة .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً