ماذا تعرف عن المخ البشرى

حمل شاب الى المستشفى أثر حادث خطير ألم به ، وهو يركب دراجته البخارية ( الموتوسيكل ) . وعند وصوله اليها كان فاقد الوعى ، وعندما فحصه الأطباء تبين لهم أنه يوجد كسر فى الجزء الخلفى من الجمجمه على الناحية اليمنى ، وقد انخسف جزء من العظيم الى الداخل بحيث كان يضغط على المخ الذى يوجد تحته .

ولم يكن هناك أمل فى شفاء هذا المريض ألا بأجراء عملية جراحية لرفع أجزاء العظام المكسورة وأعادتها الى وضعها المناسب ، وقد تم أجراء هذه العملية الجراحية ، وبعدها رقد المريض فى غيوبة استمرت عدة أيام ، ثم أبتدأت حالته فى التحسن ببطء أول الأمر ، فعاد الى اليقظة وأبتدأ يدرك التعليمات ثم سرعان ما أصبح قادرا على الكلام ، وكان جليا – برغم خطورى الأصابة – انه سيتماثل الى الشفاء بصورة طيبة .

ومع ذلك فعندما بدأ المريض يمشى فى القاعة ، لاحظ المحيطون به على الفور أن هناك خطأ ما ، فقد ظل يتعثر فى الأشياء ، وبدا كأنه غير قادر تماما على رؤية أى شىء يوجد على جانبه الأيسر ، ألا اذا أدار رأسه ناحيته حتى يستطيع النظر اليه مباشرة ، وعندما فحه الأطباء مرة ثانية ، تبينوا انه – رغم قدرته الكافية على القراءة – فأن النصف الأيسر من مجال الرؤية فى عينيه الاثنتين قد أختفى تماما .

دراسة المخ :-

أذا نحن استعرضنا الحالة المرضية التى سبق شرحها ، يتبين لنا أت جزءا صغيرا جدا من مخ المريض كان قد تأثر بالأصابة التى حدثت فى رأسه ، وفيما عدا عجز المريض عن رؤية الأشياء التى تقع على ناحيته اليسرى ، ألا أن مخه كان يعمل بصورة طيبة .

ولقد لعب أمثال هذا المريض الذى أصيب بعجز طفيف ، دورا كبيرا فى تعميق فهمنا للمخ ، وأصبح من الممكن أن نكتشف فى بعض الأحيان اى جزء من المخ قد أصابه التلف ، ومن ثم نميز هذا الجزء على أنه المنطقة التى يتم فيها القيام بتأدية وظيفة المخ التى أفتقدت بواسطة الأصابه .

وان دراسة المرضى الذين حدثت لهم أصابات الرأس ، وأجراء التجارب على الحيوانات ، والقيام بالبحوث على البشر ، كل ذلك قد أزاح الستر عن الكثير من وظائف المخ البشرى ، ومع ذلك فأن النشاطات التى تتم فى مناطق كثيرة من المخ ، لاتزال لغزا لم يتوصل بعد لحله .

المخ البشرى

قشرة المخ :-

وأذا نحن فحصنا قطاعا فى جزء من المخ ، نرى أنه يتكون من نوعين من الأنسجة ، ففى الخارج توجد طبقة من المادة الرمادية تسمى ( القشرة ) وهى مكونه بدورها من عدة طبقات من الخلايا العصبية .

وتحتل الخلايا التى تنبع منها الحركات فى عضلاتنا الأرادية ، جزءا من القشرة ، ويحتوى جزء أخر من القشرة على الخلايا التى تتحول فيها الرسائل العصبية الكهربية الواردة من أعضاء الحس فى الجسم ، الى أحساسات يقظة ، وهذه الأجزاء من القشرة وغيرها تسمى حسب الوظائف التى تقوم بها ، وعلى هذا فهناك المناطق ( الحركية ) والمناطق ( الحسية ) والمناطق ( البصرية ) والمناطق ( السمعية ) .

وتحت القشرة توجد المادة البيضاء للمخ ، وهى تتكون من أعداد هائلة من الخلايا العصبية ، التى تساعد على ربط خلايا القشرة ، بأعضاء الحس والعضلات فى كافة أنحاء الجسم ، وبلأضافة الى ذلك ، توجد شبكة معقدة من الألياف التى تربط مختلف أجزاء القشرة بعضها ببعض .

سطح قشرة المخ

المنطقة الحركية :-

اذا نظرنا الى المخ البشرى من الجانب ، فأن أهم الملامح الظاهرة فيه هو الشق أو الأخدود العميق ، الذى يجرى هابطا الى الأسفل والى الأمام ، من القمة ، فى أتجاه الفص الصدغى للمخ ، ويسمى هذا الأخدود ( شق رولاندو ) وتوجد أمام هذا الشق وخلفه حافتان أو ( أفريزان ) من نسيج المخ .

ويسمى الأفريز الذى يوجد أمام الشق ( الأفريز – قبل المركزى ) وله أهمية كبيرة ، لأن قشرته تحتوى على الخلايا العصبية التى تتحكم فى الحركات الأرادية لعضلاتنا ، ويسمى هذا الجزء عادة ( بالمنطقة الحركية ) نظرا لأنه هو الذى يجعل عضلاتنا تتحرك .

والخلايا العصبية فى هذه المنطقة مرتبه بطريقة تبدو غريبة –

 أولا :

فأننا نجد أن المنطقة الحركية من كل ناحية من المخ تحتوى على الخلايا العصبية التى تتحكم فى حركات العضلات على الناحية الأخرى للجسم ، وذلك لأن الألياف العصبية من القشرة الحركية ، تعبر الى الناحية الأخرى فى أثناء امتدادها الى أسفل الى الحبل الشوكى .

ثانيا :

فأن السمة الغريبة للمنطقة الحركية هى أن الخلايا التى تتحكم فى عضلات القدم وأصابعه توجد على قمة هذه المنطقة ، فى حين أن الخلايا التى تتحكم فى الأجزاء العليا من جسمنا توجد فى القاع .

وكذلك نجد أن أجزاء الجسم التى تقوم بحركات سريعة متقنه ، مثل الأصابع واللسان ، لهما عديد من الخلايا التى تتحكم فى عضلاتها ، ولهذا السبب فأن أجزاء كبيرة نسبيا من القشرة مخصصة لها ، أما هذه العضلات التى تقوم بحركات خشنة ، حتى لو كانت كبيرة فتتحكم فيها أعداد من الخلايا أقل من تلك بكثير ، ويمكن أيضاح وظائف المنطقة الحركية للمخ بصورة مقنعة ، اذا فتحنا جمجمة حيوان تحت مخدر موضعى وكشفنا عن الأفريز – قبل المركزى .

فأذا نحن لمسنا المادة الرمادية للمنطقة الحركية ، بواسطة سلك صغير نسميه القطب ( الألكترود ) والذى يسرى فيه تيار كهربائى ضئيل ، فأننا يمكننا أن نجعل العضلات المقابلة على الناحية المضادة للجسم تنقبض وترتخى كلما مررنا التيار الكهربائى أو قطعنا مروره ، ويحدث التيار تأثيره بجعل خلايا المخ ترسل رسائل عصبية الى العضلات ، وهذا مما يثيرها ويدفعها للنشاط .

المناطق الحسية :-

ويسمى الأفريز الذى يوجد خلف شق رولاندو ( الأفريز – بعد المركزى )

ويتصل هذا الجزء من المخ بالأعصاب التى تحمل رسائل من أعضاء الحس الموجودة فى جلدنا وعضلاتنا ، حيث تسجل أحساسات اللمس والضغط والحرارة والبرودة .

وهذا هو السبب الذى من أجله نطلق علي الأفريز – بعد المركزى

( المنطقة الحسية ) وكما هو الحال فى المناطق الحركية ، فأن كل منطقة حسية تخدم الناحية المضادة من الجسم ، وبالأضافة الى ذلك ، نجد أن الأجزاء المختلفة من الجسم ، ممثلة أيضا بصورة مقلوبة رأسا على عقب ، على سطح الأفريز وكنتيجة لذلك لإن المناطق الحركية والحسية لكل جزء من أجزاء الجسم تتقارب مع بعضها بعضا ، كل واحدة منها على احد جانبى الشق .

ولاتقتصر الوظائف الحسية للمخ على الأفريز بعد المركزى ، ولكنها تمتد الى الخلف لتشمل عديدا من مناطق القشرة القريبة ، ويبدو أن هذه المناطق المتجاورة تتعلق بأحاسيسنا الأكثر دقة ، فهى تلعب دورا هاما فى قدرتنا على التمييز بين الفروق الصغيرة فى وزن الأشياء ، وحرارتها ، ونوعيتها ، وبالأضافة الى ذلك فهى تتعلق أيضا بوظيفة ( التشخيص التعرفى ) أى القدرة على التعرف على الأشياء الصغيرة التى توضع فى اليد بدون النظر اليها .

الحواس الخاصة ( الحواس الخمس ) :-

وتعرف حواس النظر ، والسمع ، والتذوق ، والشم ،بالحواس الخاصة .

وتختلف الدرجة التى تتطور اليها كل منها – الى حد كبير – بأختلاف فصائل الحيوانات .

فالأنسان على سبيل المثال يتمتع بقدرة رائعة على الرؤية ، أذا قورنت بتلك التى لدى الكثير من الحيوانات ، ولكن حاسة الشم عنده ضعيفة جدا حقا ، أذا قورنت بتلك التى عند الكلب .

ويتصل كل واحد من أعضاء الحس الخاصة وهى العينان ، والأذنان ، وعضو الشم ، ونتوءات التذوق فى الفم ، بالمخ عن طريق عصب مخى

وتفضى هذه الأعصاب الى مناطق معينة فى القشرة مخصصه لأستئصال الأحساسات التى ترسلها الحواس الخاصة .

فالعصب البصرى يحمل الرسائل الكهربائية من العينين الى قشرة الفلقة المؤخرية الموجودة خلف المخ فى أخر مؤخرته ، وهناك فى هذا المكان يتم أدراك أحساسات البصر .

ووتصل الأعصاب السمعية القادمة من الأذنين بالمخ على سطحه الأسفل .

وتسلك هذه الأعصاب مسارا معقدا داخل نسيج المخ ، قبل أن تصل فى النهاية الى قشرة الجزء الأعلى من الفلقات الصدغية .

أما الأعصاب التى تحمل أحساسات التذوق ، فتنتهى فى القشرة بعد المركزية ، على مقربة من المنطقة المخصصه للفم واللسان ، ورغم أنه يبدو فى كثير من الأحيان ان هذا الجزء من جهازنا العصبى مصمم لمجرد زيادة متعتنا بعملية الأكل ، ألا أن هناك من الأسباب ما يوحى بأن حاسة التذوق حاسة هامة ، من ناحية اختيار أنواع الطعام التى يحتاج اليها الجسم فى وقت معين .

الكلام والكتابة :-

أن هذه المهارات البالغة التعقيد ، تعتبر من أكثر المهارات المكتنفة بالغموض والتعقد التى يستطيع المخ البشرى القيام بها .

أذ أنه يجب أن يتعلمها وتبعا لذلك فأنها تعتمد الى حد كبير على حواس السمع والبصر ، وتصل أصوات الكلام الى المنطقة السمعية مثل كل الأصوات ، ولكن أدراك معناها يحدث فى المنطقة المحيطة فى الفلقة الصدغية ، والتى تسمى أحيانا ( المركز السمعى الكلامى ) وبطريقة مماثلة ، فأن الصور البصرية للحروف والكلمات ، تنتقل الى المنطقة البصرية فى قشرة الفلقة المؤخريه ، ولكن يتم فهم معانيها فى المناطق المجاورة .

وفى الأشخاص الذين يستعملون يدهم اليمنى أساسا ، توجد المراكز الحسية للكلمات المنطوقة والمكتوبة على الناحية اليسرى من المخ ، وكلاهما يتصل عن طريق ألياف عصبية بجزء من الفلقة – قبل الأمامية اليسرى التى يطلق عليها اسم مركز بروكا Broca,s centre  وذلك على اسم الرجل الذى حاول أن يحدد مكانها لأول مرة .

وقد تكون وظائف هذه المنطقة هى تخطيط الأفعال العضلية التى تدعو الحاجة اليها فى الكلام أو الكتابة ، ثم ارسال التعليمات المناسبة الى تلك الأجزاء من القشرة الحركية ، التى تتحكم فى عضلات الحنجرة واليد اليمنى ، وتمر نبضات الأثارة التى تنبع من خلايا القشرة الحركية ، عبر الأعصاب الحركية لتدفع الحبال العصبية الى الحركة أثناء الكلام ، ولتجعل الأصابع تتحرك حين يجرى القلم بالحروف على صفحة الكتابة .

الفلقات الأمامية :-

وتسمى هذه الأجزاء من المخ الموجودة فى مقدمة الجمجمة فوق العينين مباشرة ، ( الفلقات – قبل الأمامية ) وللقشرة فى هذه المنطقة أهمية خاصة فى الأنسان ، لأنها تشتبك فى عمليات التعليم ، والتفكير ، والتقدير ، ( بمعنى التعقل ووزن الأمور ) ويدو أن جزءا مما نطلق عليه الذكاء البشرى يعتمد على العمل الوظيفى المتقن لهذه المنطقة من المخ .

وتتعلق الفلقات – قبل الأمامية ، بالأضافة الى الذكاء ، بطريقة الأفراد فى التصرف والسلوك ، ويبدو أن هذه الفلقات قادرة على التحكم فى الطريقة التى يستجيب بها شخص ما لما يحيط به ، وهكذا فأنها تحدد شخصيته وطبعه .

ملاحظة :-

والأن ، فأنه فى مقدورنا أن ندرك لماذا كان الرجل المصاب فى الحادث الذى أشرنا اليه فى أول الأمر ، يتعثر فى الأشياء ، ذلك أن المنطقة البصرية للقشرة ، والتى تتلقى الصور من الناحية اليسرى لمجالات الرؤية فى عينيه الأثنتين ، كان قد أصابها التلف .

ولو كان جزءا آخر من مخه قد تلف ، لكانت أعراضه قد أختلفت عن ذلك تماما .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً