غاريبا لدى رجل غير فى مجرى التاريخ

هناك نوعان من الرجال الذين يؤثرون على مجرى التاريخ ، النوع الأول ، يشمل أولائك الرجال الذين تمكنوا من صياغة الأحداث طبقا لوجهات نظرهم ، وذلك بفضل جاذبية شخصياتهم ، او قوة أفكارهم ، والنوع الثانى ، يشمل أولئك الرجال الذين وان كانوا يفتقرون للأصالة الطبيعية ، الا أنهم تمكنوا من انجاز أهدافهم.

وجوزيى غاريبالدى Giuseppi Garibaldi  الذى تقرأ سيرة حياته ، وكأنك تقرأ أكثر الروايات الرومانسية خيالا ، يعتبر مثل أعلى للرجل العملى .

غاريبالدى

ولد غاريبالدى فى مدينة نيس يوم 4 يوليو 1807 وكان والده صائد سمك ، وبالرغم من صغر سنه فقد هيأ لابنه تعليما طيبا ، ولعل هدفه من ذلك اعداده للأنخراط فى سلك رجال الدين ، ولكن غاريبالدى صمم على اختيار حياة البحر ، ونجح فعلا فى عمله كبحار تجارى ، وفى خلال رحالاته العديدة تشبعت نفسه بالمثل الوطنية ، وبالحب لوطنه ايطاليا وكغيره من شباب ذلك العصر انخرط فى زمرة حركة ( ايطاليا الفتاه )

كما أنضم لأسطول سردينيا البحرى ، ليجتذب من بين أفراده متطوعين لنصرة القضية الوطنية ، وفى عام 1834 كان المفروض ان يحكم عليه بالأعدام لاشتراكه فى محاولة للأستيلاء على جنوا ، غير انه هرب الى مارسيليا ، ومنها الى امريكا الجنوبيه ، وبدافع من تقديسه للحرية ، عرض خدماته على حكومة ريو جراند Rio Grande التى كانت ثائرة على الديكتاتور البرازيلى ، وقد أظهر غريبالدى مهارة فائقة فى حرب العصابات وكجندى متطوع وان كان أمره قد أنتهى بوقوعه فى الاسر ، وعندما قبض عليه أثناء محاولته الفرار ، حكم عليه بأن يظل معلقا من يديه لمدة يومين ، ولكن ذلك لم يفت فى عضده ، فحاول الهرب ثانية ، وفى هذه المره كان هروبه مع رفيقة سلاحه فى مغامراته السابقة بأمريكا الجنوبيه وهى أنيتا ريفييرا دى سيلفا الجميلة .

غاريبالدى وزوجته

مكث غاريبالدى مع زوجته فى أمريكا الجنوبية حيث زاول العديد من الأعمال من رعى الماشية ، والسمسرة فى تجارة السفن ، الى تدريس الحساب ، وفى عام 1842 ساعد أهالى ونتفيديو فى ثورتهم ضد طاغية بوينس أيرس ومرة أخرى تميز بمقدرته كمحارب كفء فى ظروف شاذة ، ومع ذلك فقد ظل يعاوده الحنين الى وطنه .

الصراع من أجل ايطاليا :-

وهنا أصبح غاريبالدى العملاق الملتحى ذو القميص الأحمر الزاهى ، معروفا للجميع فى الوقت الذى أصبح فيه بيوس التاسع بابا ، وذلك فى عام 1846 وفى الحال عرض غاريبالدى خدماته على البابا ( التحررى ) ولكن العرض لم يقابل بترحيب ، وعلى كل حال فقد عاد غاريبالدى الى ايطاليا فى يونية 1848 ، فوجد بلاده فى خضم حرب وطنية عظيمة ضد النمسا ، فتقدم متطوعا للقتال فى صفوف قوات شارل ألبرت ولكن مرة أخرى رفض طلبه .

البابا بيوس التاسع

كان النمساويون متفوقين فى قوتهم على السردينيين Sardinians  وبعد ان فشلت ثورة سردينيا كون غاريبالدى فرقة من المتطوعين حارب بهم بشجاعة ضد النمساويون على الحدود السويسرية ولكن محاولتهم كانت فاشلة ، ومرة أخرى عادت السيطرة النساوية تفرض نفسها بأحكام على ايطاليا .

فرقتة غريبالدى

وفى عام 1849 انضم غاريبالدى للحكومة الثورية فى روما ، وهى التى قامت بخلع البابا ، وأصبح بذلك يقاوم قوات الثوار ، التى سبق أن بذل جهده لمعاونتها ، وقد حارب غاريبالدى فى صفوف قوات الحكومة الجمهورية فى روما ، التى تمكنت من التغلب على القوات الفرنسية والنابولية ، والتى كانت قد جائت لأعادة السلطة البابوية ولكن سرعان ما أضطرت الجمهورية الى طلب الهدنه Armistice وحاصرت القوات الفرنسية روما ، وفى 3 يوليو اضطر غاريبالدى لترك موقعه والأنسحاب أمام مطاردة النمساويين الى ان وصل الى شاطىء الأدرياتيكى وهنا توفيت زوجته ودفنت فى الرمال .

وهنا جاء وقت الحساب بين سردينيا التى كانت قد عقدت صلحا مع النمسا وفرنسا ، وبين غاريبا لدى الذى لايقهر ، وقد أصدر أمر سردينيا بالقبض عليه ، وطلب منه مغادرة ايطاليا فرحل الى نيويورك حيث بقى بها مدة ثمانية عشر شهرا يعمل صانعا للشموع قبل أن يعود للعمل على السفن التجارية .

حرب التحرير :-

فى عام 1854 بدأ غاريبالدى حياة جديدة كمزارع فى جزيرة كابريرا Caprera  ولكن نشوب حرب الاستقلال الايطالية ، بعد ذلك بخمس سنوات ، دعاه مرة أخرى لتلبية نداء الواجب ، فقد استدعاه كافور Cavour الى تورينو ، وهناك ظهرت كفاءته مرة أخرى كمحارب ، ولكن النزاع عاد بينه وبين سردينيا كان هدف كافور انشاء الوحدة بين مناطق محدودة فى شمال ايطاليا ، ولكن غاريبالدى بما طبع عليه من بساطة كان يريد أكثر من ذلك ، وأبدى امتعاضه لعدم السماح له باستمرار زحفه الى روما ، وهو بذلك لايدرى أن اى هجوم على البابا ، لن يؤدى الى معاداة النمسا فحسب ، ولكن فرنسا ايضا ، بأعتبارها حليفة سردينيا ، علاوة على ذلك ، فقد كان نزول كافور لفرنسا عن نيس ، صدمة له ، فقد أصبح غاريبالدى بذلك أجنبيا .

وعندما ثار شعب الصقليتين ، ضد حاكمهم البوربونى ، وجد غاريبا لدى فى ذلك فرصة طيبة فأنضم اليهم  ، ونزل بفرقته الشهيرة الألف متطوع فى مارسالا Marsala يوم 11 مايو 1860 ، ولم تمضى ثلاثة شهور حتى تحررت جزيرة صقلية ، وعبر غاريبالدى البحر الى الأراضى الأيطالية ، وفى شهر أكتوبر كان جنوب ايطاليا قد تمكن من خلع الحاكم البوربونى ، وانتخب ملكا عليها فيكتور عمانويل Victor Emmanuel الذى كان ملكا على سردينيا وقد استعت رقعتها وبذلك اصبح ملك سردينيا يحكم معظم أجزاء ايطاليا ، وهى نتيجة أفضل كثيرا مما كان يخطط له كافور .

الملك فيكتور عمانويل

مؤامرات فى الداخل :-

استمر الصراع بين غاريبالدى وحكومة ايطاليا الجديدة وكان لايزال يرغب فى الزحف على روما ، وقد تملكه غضب جامح ، لرفض الحكومة تجنيد أفراد فرقته غير النظاميين فى صفوف الجيش النظامى ، فعاد مرة اخرى الى مزرعته فى كابريرا ، وان كان ذلك لايعنى ان حياته العامة قد انتهت ، كان لايزال على ايطاليا ان تنتزع البندقية من النمساويين ، وروما من البابا ، وقد حاول غاريبالدى تدبير مؤامرة مع هنغاريا ( المجر ) للقيام بثورة ضد النمسا الأمر الذى كان كفيلا بأن يمهد الطريق للأستيلاء على البندقية ولكن المحاولة لم تنجح .

وفى عام 1862 أخذ زمام الأمر بين يديه وزحف على روما وقد وقع أسيرا وأصيب بجرح بالغ فى قدمه ولكن بعد شهرين قضاهما فى السجن ، سمح له بالعودة الى كابريرا ، وقد ظلت حماسته للديموقراطية لايشوبها فتور ، فقام بزيارة لأنجلترا لتأيد قضية الدنمارك ضد بروسيا والنمسا ، وفى عام 1866 نشبت الحرب النمساوية البروسية وحارب غاريبالدى و ( قمصانه الحمر ) ضد النمساويين فى منطقة التيرول Tyrol وبالرغم من أن دوره فى العمليات لم يكن متميزا الا أن هزيمة النمسا كانت تعنى النزول عن البندقية لأيطاليا .

المحاولات الأخيرة فى سبيل الوحدة :-

قام غاريبالدى فى العام التالى ، بآخر محاولة له للزحف على روما ، ومرة أخرى قبضت عليه الحكومة الايطاليه ، ولكنه تمكن من الهرب ، وكون فرقة من المتطوعين هزم بها القوات الباباوية فى يوم 25 أكتوبر 1867 غير أن القوات الفرنسية أكتسحته تماما فى الشهر التالى ، ومع ذلك فقد سمح له مرة أخرى بالعودة الى كابريرا ثم كان نشوب الحرب الفرنسيو البروسية ، فرصة جديدة أمام غاريبالدى للتدخل فى خضم السياسة الأوروبية ، كانت ميوله فى بداية الأمر تتجه نحو الألمان ذلك لأن أنتصار بروسيا كان معناه ان فرنسا لن تستطيع ان تمنع أدماج روما مع ايطاليا ، ومهما يكن من أمر ، فبعد هزيمة نابليون الثالث قدم مساعدته للجمهورية الفرنسية الجديدة وقاتل بشجاعة بالرغم من المصاعب التى كانت تواجهه ، ونوبات الروماتيزم التى كانت تلاحقه وقم تم فعلا انتخابه عضوا فى مجمع بوردو بموافقة ديجون ، ونيس ، وباريس ، وان لم يسمح له بالكلام أمام الأعضاء بسبب كونه أجنبيا .

ظلام اجبارى :-

والى هنا كان غاريبالدى قد أوشك المرض أن يقعده ، وفى الفترة بين عامى 1870 و 1872 نشر ثلاث روايات ، وفى السنوات الباقية من عمره ، رفض أن يقبع فى زوايا النسيان ، فكانت النشرات والكتيبات تنساب من تحت قلمه ، وان كانت فى معظم الأحوال غير واضحة ، يناقض بعضها بعضا ، من ذلك انه يمتدح حكومة فيكتور عمانويل فى احدى الفقرات ، وفى الفقرة التالية يطالب بقيام الجمهورية فى ايطاليا ، كما اصبحت أفكاره السياسية التى تتسم بالمبالغة فى البساطة أكثر وضوحا ، وقد توفى غاريبالدى يوم 2 ينوية 1882 وكانت لوفاته رنة حزن فى جميع أنحاء العالم ، لم تكن مقدرته خارقة ، وهو حتى كجندى ، لم يكن أكثر من قائد ماهر لجنود غير نظاميين ولكنه كرمز لعصر الوطنية نجح فى اكتساب اعجاب الأحرار فى كل مكان ، وكان له دوره فى خلق أوروبا الحديثة .

قبر غريبالدى الزعيم الايطالى

‫0 تعليق

اترك تعليقاً