كونفوشيوس Confucius الفليسوف الصينى وليس نبى

سأل شاب صينى ذات مرة ( كيف يجب أن يحيا الأنسان حياة صالحه ؟ )

وقد وصل الينا الجواب الذى تلقاه عن سؤاله منذ خمسة وعشرين قرنا وكان

( لاتعامل الآخرين بما لاتحب أن يعاملوك به )

كان الذى أجاب الشاب الصينى عن سؤاله هو كونفشيوس Confucius ، الذى قدر له أن يؤثر على الحضارة الصينية تأثيرا عميقا ، وأن يصبح واحدا من أرفع المفكرين منزلة فى الشرق الأوسط .

uewb_03_img0198

حياته الأولى :-

كان الأسم الصينى لكونفوشيوس هو كنوج فو -تسو K,ung Fu -Tzu وكان ينادى بالسيد كونج Master k,ung وقد قام المبشرون الكاثوليك الذين ذهبوا الى الصين بعد وفاته ببضعة قرون وسمعوا الناس تتحدث عنه ، قاموا بتحرير اسم كونج فو -تسو الى اللاتينية فأصبح كونفوشيوس .

ولد كونفوشيوس حوالى عام 551 قبل الميلاد ، فى مقاطعة شنتونج Shantung ، ولا يعرف سوى القليل عن حياته بالرغم من أن كثيرا من الأساطير قد نسجت حول أسمه ، ومن المحتمل أن أباه كان جنديا ، كما أنه من المحتمل أن كونفوشيوس نفسه قد شغل وظيفة صغيرة فى الحكومة المحلية للمقاطعة التى يعيش فيها ، والظاهر أنه كان شابا جادا متحفظا ، واسع الأطلاع ، عميق الفكر ، وقد درس الآداب الصينية القديمية ، وارتشف من حكم وتقاليد أسلافه .

كانت الصين فى ذلك الوقت فى حالة فقر مدقع وحرب مستمرة ، وكان الأمبراطور يفتقر الى السلطة ، بينما كانت الولايات يحكمها أفراد من الطبقة الأرستقراطية أتسموا بالجشع والقسوة ، ولم يهتموا بالتفكير فى مصالح رعاياهم ، وقد شعر كونفشيوس بالأشمئزاز ازاء الفساد وسوء الحكم الذى شاهده حوله ، وكان يخيل اليه أن الرجال لم يتعلموا شيئا من الماضى .

الفليسوف الواقعى :-

بدأ كونفوشيوس بتعليم الحكمة الصينية القديمة من جديد ، مطبقا اياها على مظاهر الحياة من حوله ، ومكرسا حياته لتخفيف الآلام ومحاربة الفقر ، ولم يكن كونفوشيوس يكتب كثيرا ، ولكن أتباعه جمعوا أقواله ملء مجلدات عديدة .

وكان كونفوشيوس أكثر من مجرد داعيه ، كان فليسوفا واقعيا ، وعندما عين محافظا على مدينة ، قام بتطهير الطرقات من اللصوص ، وخفض الضرائب ، وأدخل التحسينات على وسائل معيشة الشعب ، وحث الطبقة الحاكمة على أن تنتهج لنفسها حياة أكثر فائدة .

وتقول بعض الروايات عن حياته انه عين فى وظيفة هامة هى وظيفة الوزير ، واذا كان ذلك صحيحا ، فلابد أنه قد شجعه على تحقيق آماله فى أن يتمكن من تطبيق مثله العليا فى الحب والمؤاخاه ، ووضعها موضع تنفيذ على نطاق واسع ، ولكن جذور الشر فى ذلك العصر كانت أعمق من أن يتمكن رجل واحد من اقتلاعها ، ولذا فقد كان عدد الذين كرسوا أنفسهم لدعوته عدادا قليلا ، وكانت الحياة فى البلاط الأمبراطورى بصفة خاصة حياة فساد وفجور ، ويبدوا انه عندما بلغ الرابعة والخمسين من عمره استقال من وظيفته مشمئزا .

وفى خلال الثلاث عشرة سنة التالية تجول كونفوشيوس فى بلاد الصين ، باحثا عن شخص يستطيع أن يفهم تعاليمه ويقدرها ، ولكنه كان يقابل بفتور فى كل مكان ، ورفضت أفكاره باعتبار آنها أفكار خيالية لايمكن وضعها موضع التطبيق ، وفى أواخر أيامه شعر بخيبة الأمل لفشله فى حث الناس على تحسين حياتهم ، ومات عام 479 قبل الميلاد وهو محطم القلب .

الكونفشيوسية :-

ظلت تعاليم كونفوشيوس واحدة من أهم العوامل التى أثرت على الحياة والفكر الصينى ، وكان هو نفسه يقول ( اننى لا أعلم شيئا جديدا ، أن كل ما أفعله هو توصيل الحكمة القديمة ) ، ولكن الواقع أنه فعل أكثر من ذلك ، فقد أستخلص من تعاليم الصين القديمة أحسنها ، وصاغها فى قالب أكثر وضوحا وتأثيرا ، وهاك بعض أقواله :-

( أن تتعاطف مع كل شىء ، وأن تحب كل الناس ، أن لاتدع مجالا لأفكار أنانية ، ذلك هو الصلاح )

己所不欲,勿施於人。“ما لا تتمناه لنفسك لا تتمناه لغيرك.”

«اذا لم يكن من عادة الشخص أن يقول: ماذا أرى في هذا؟ فإني لا أستطيع أن أفعل له شيئاً. وإني لا أفتح باب الحق لمن لا يحرص على معرفته، ولا أعين من لا يعنى بالإفصاح عما يكنه في صدره. وإذا ما عرضت ركناً من موضوع ما على إنسان ، ولم يستطع مما عرضته عليه أن يعرف الثلاثة الأركان الباقية فإني لا أعيد عليه درسي»

وهو يعلم اتباعه

وبالرغم من أن كونفوشيوس لم ينجح فى تحقيق هدفه ، وبالرغم من أنه ظل موضع التحقير لفترة بعد وفاته ، وأحرقت كثير من الكتب التى حوت أقواله ، الا أنه سرعان ما أستعاد التقدير العظيم الائق به ، وفى المعابد الصينية ، ظلت القرابين تقدم له لعدة قرون ، تماما كما كانت تقدم للشمس والقمر ، ومنذ حوالى 50 سنة أو أكثر ، قام أخر أباطرة الصين برفع منزلة كونفوشيوس الى منزلة مساوية لمنزلة السماء والأرض ، وهى القوى التى يقدرها الصينيون أعظم تقدير .

ومع ذلك فأن الكونفوشيوسية ليست ديانة ، كما أن واضعها نفسه لم يكن موضع عبادة كما كان المسيح عيسى كان صاحب ديانة ومن ثم قام بعض اتباعه بعبادة واصبح الها يعبد فى المسيحية ، وكونفشيوس نفسه لم يكن يرضى بذلك ، لأنه كان يعتبر الآلهة رموزا لقوى الطبيعة وأرواح السلف ، وهو لم يكن يريد شرفا لنفسه ، ولكنه كان يريد أن تتبع مبادئه التى تتلخص فى اطاعة الوالدين ، وأحترام الأسرة ، والسلم بين الحكام والرعية ، والعدالة والرحمة بين الأنسان وأخيه الأنسان ، اننا الان أحوج مانكون الى تعاليمه الحكيمة والأنسانية ، بقدر ماكانت الحاجة اليها منذ 25 قرنا ، والتى يمكن تخليصها فى العبارة التى قالها أحد أتباعه

( ان الناس جميعا أخوة )

‫0 تعليق

اترك تعليقاً