ابراهيم الموصلى أول الملحنين ومطرب الخلفاء

ابراهيم الموصلى

هو ابراهيم بن ميمون ، وقد اشتهر بأسم الفتى الموصلى ، وهو كوفى المولد ، ينتمى الى شرف بيت مجيد من بيوتات فارس ، فلما أحب الغناء وتطلعت اليه نفسه ، لقى معارضة شديدة من أهله ، فهرب من تزمت البيئة وقسوتها ، ملتمسا فى الفضاء الرحب الفسيح هوايته الموسيقية .

حداثتة كلها حوادث :-

وهذا النجم العالمى فى سماء الموسيقى قد أستقبلته الأحداث والكوارث المضنية منذ حداثته الباكرة ، فها هى ذى صدمة اليتم التى تصادفه فى طفولته ولما يتجاوز الثالثة من عمره ، فأقام مع أمه وأخواله حتى ترعرع ، ولما أوذى فى سبيل الفن ، لم يجد مناصا من الرحيل من البيت الى الحياة بالموصل ، فكانت حياة مضطربة لم يجد فيها وجها من وجوه الراحه ، وان صادف فيها شيئا من الغناء والطرب ، ولما وجد ابراهيم أن هذا القدر من الموسيقى ليس بالذى يشبع رغبته الطامحة وموهبته الآخذة فى النمو والازدهار ، بدأ يتنقل من بلد الى بلد حتى أنتهى به المطاف الى الرى ، فلقى ابراهيم صفوة من الموسيقين والمغنين من عرب وفرس ، ومن ثم أخذ الغناء بنوعيه حتى مهر فيهما وبرع ، وطالت اقامته فيها فتزوج من دوشار ثم شاهك ، التى أنجب منها اسحاق وبقية ولده .

لمعان نجمه :-

وبدأ نجم ابراهيم يلمع فى الأفق ، وتتلقفه العلية والأشراف والأمراء ، الى أن أمر الخليفة المهدى ( 775 – 785 م ) باشخاصه اليه ببغداد ، وأذ كان ابراهيم يميل الى الشراب ، فقد عاتبه المهدى ثم منعه من منادمة ولديه موسى وهارون ، وحين علم الخليفة بعد ذلك أن ابراهيم قد عاد الى الشراب ، والدخول على ولديه رغم منعه اياه ، أمر بضربه وقيده وحبسه ، ثم خاف على حياته فأطلق سراحه ، بعد أن أستخلفه وأخذ عليه المواثيق ألا يعود الى مثل ما كان يفعل .

ثم مات المهدى فتوارى معه الى القبر العهد الأول من حياة ابراهيم ، ذلك العهد الملىء بالشؤم والتعاسة والأكدار ، عهد اليتم ، والغربة ، والتشرد ، والضرب ، والقيد ، والحبس ، ليرى عهدا سعيدا فى مجالسة الأمراء ، ومنادمة الخلفاء .

كان عهد الهادى ( 785 – 786 م ) بداية لسعادة ابراهيم ، فقد نثر عليه الخلفية من النعم ما كاد يغرقه ، وحسبك من هذا أنه فى يوم واحد أجازه بمائة وخمسين ألف دينار حتى قال ابراهيم ( لو عاش لنا الهادى لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضه ) .

مدرسة الموصلى :-

وكان الناس قبل ابراهيم يعلمون جواريهم الغناء على قدر لياقتهن واستعدادهن ، وكان ذلك مقصورا على السود وأشباههن ، فرفع ابراهيم قيمة هذه المدرسة ، وكان أول من علم الجوارى والقيان البيض هذا الفن ، وكان ابراهيم لايقتصر فى تعليم جواريه على تثقيفهن فى ضروب الموسيقى وفنون الغناء ، وأنما كان يلقنهن كذلك دروسا فى ألوان الملابس ، ومناسبة بعضها لبعض ، ومناسبتها لعصائب الرأس وكسوة القدم ، ومناسبات هذا كله فى الاجتماعات والحفلات ، وكان يلقنهن كذلك دروسا فى الزهور والورود والرياحين ، وتنظيم الطاقات والباقات ، ثم تجاوز ابراهيم تلك الماديات الى المعنويات ، فيعلمهن كيف يحسن الحديث ، وكيف يجب ألا يداخلن أحدا فى حديثه ، ولايتطلعن الى مكتوب يقرأه قارىء ، ولا يقطعن على متكلم كلامه ، ولايحاولن أن يستمعن الى أحد يحدث عن سر ، ولا يتكلمن فيما حجب عنهن فهمه ، وهكذا كان يعلم ابراهيم جواريه قوانين التظرف وآداب السلوك ، الى جانب قوانين الموسيقى والغناء .images

وانقلب ابراهيم الفنان الى متجر ، وان لم تتأثر بذلك موهبته الموسيقية وكان يضع الغث والسمين من الألحان ، وينشىء الغالى والرخيص منها ، قال ابنه اسحاق ان اباه قد صنع تسعمائه لحن ، منها ثلثمائة تقدم فيها الناس جميعا ، وثلثمائة أخرى شاركوه وشاركهم فيها ، واما الثلثمائة الباقية فلهو ولعب .

سعة حياته :-

وكان ابراهيم يحسن الأفلات ويجيد الحيلة ، حين يضيق عليه الشرق وحين يريد الكشف عن حقيقة فنية ، غنى ابن جامع احد اعلام الغناء فى العصر العباسى ثلاثة ألحان أمام الرشيد ( 786 – 809 ) ، وادعى أنها من تراث الأقدمين ، ولما سئل ابراهيم عنها قال لا أعرفها ، وكان ذلك خذلانا له أمام الخليفة ، فرأى أن يوجه ابن الرف ، أحد كبار المغنين ، فى اليوم التالى الى ابن جامع فيتظاهر بتهنئته ، ويجتهد فى أخذ تلك الألحان عنه ونجحت الحيلة ، وحفظها عنه ابراهيم ، وبكر الى الرشيد وأظهر أمامه أنه ان يعرف تلك الألحان من قبل ، وأنما تظاهر بالجهل بها تحشما واحتراما لميل الرشيد لابن جامع ، الذى ينتهى نسبه الى قريش ، ثم غناها ابراهيم لحنا لحنا ، فأسم ابن جامع بأن ابراهيم لايمكن أن تكون له سابقة علم بها ، لأنها من صنعته ولم يخرجها لأحد ، فكان ذلك هو الأنتصار لابراهيم .

ومن الطريف أن نعلم كيف كان ابراهيم يستوحى ألحانه ، فقد سأله الرشيد يوما كيف يصنع اذا أراد أن يصوغ الألحان فقال ( يا أمير المؤمنين ، أخرج الهم من فكرى ، وأمثل الطرب بين عينى ، فتفتح لى مسالك الألحان فأسلكها بدليل الايقاع ، فأرجع ظافرا بما أريد )

وحين كبر ابراهيم وطال عليه المرض ، انقطع عن خدمة الخليفة ، ولكن كان حسبه أن يعوده الرشيد فى لحظاته الأخيرة ، وقد سأله كيف أنت يا ابراهيم ، فقال أنا والله يامولاى كما قال الشاعر :

سقيم مل منه اقربوه                  وأسلمه المداوى والحميم

فقال الرشيد انا لله ، وخرج ، فلم يبتعد حتى سمع الناعية عليه ، ومات ابراهيم سنة ثمانية وثمانين ومائة هجرية ( 806 م ) .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً