الفارابى فليسوف المدينة الفاضلة

الفارابى

حياة الفارابى :-

الفليسوف أبو النصر الفارابى هو محمد بن محمد بن طرخان ، سمى بالفارابى نسبة الى الجهة التى ولد بها ، وهى ولاية ( فاراب ) من بلاد الترك وراء النهر ، فهو أذن تركى المولد ، وان كان بعض أصحاب التراجم قد ذكر أن أباه كان قائدا ، وأنه فارسى الأصل ، ومهما يكن الأمر ، فالفارابى بجملة ثقافته ومؤلفاته فليسوف عربى ، بل لقد قال أحد المستشرقين انه هو مؤسس الفلسفة العربية ، ومن قبل رأى كثيرون من مؤلفى العرب أنه اكبر فلاسفة المسلمين ، وقال فيه ابن سبعين ( هذا الرجل أفهم فلاسفة الاسلام وأذكرهم للعلوم القديمة وهو فليسوف فيها لاغير ، ومات وهو مدرك محقق ) وقال بعض المستشرقين ( وليس شىء مما يوجد فى فلسفة ابن سينا وابن رشد الا وبذوره موجودة عند الفارابى ) ، وقد كان كتاب العرب يعدون الفارابى أكبر العلماء بعد أرسطو ، ولما كانوا يطلقون على أرسطو اسم ( المعلم الأول ) فد أطلقوا على الفارابى أسم ( المعلم الثانى ) .

وقد كان الفارابى مولعا بالأسفار منذ صباه ، تنقل فى بلاد الاسلام ، حتى دخل العراق ، وألم ببغداد ، فتلقى طرفا من علوم الفلسفة على أستاذ نصرانى ، وكان من زملائه فى التلمذة أبو بشر متى بن يونس النصرانى ، المشهور بترجمته للكتب اليونانية ، وبعد أن أقام الفارابى زمانا فى بغداد ، ارتحل عنها الى حلب ، واتصل بالأمير الحمدانى سيف الدولة ، ونال الحظوة عنده ، وتزى بزى أهل التصوف ، ثم صحب الأمير الى دمشق فى حملته عليها سنة 950 بعد الميلاد ، ووافته منيته بدمشق فى تلك السنه ، وهو شيخ ناهز الثمانين من عمره ، فتزى الأمير بزى الصوفية ، وصلى عليه فى نفر من خاصة المقربين .

وأظهر ما يستوقفنا فى حياة الفارابى أنه كان رجلا يميل الى التأمل والنظر ، ويؤثر العزلة والهدوء ، بدأ شبابه متفلسفا ، وقضى كهولته متفننا ، وختم حياته متصوفا ، وقد اشتهر بين العرب بشروحه على فلسفة أرسطو ، ولكن همة الفارابى لم تقف عند الشروح ، فقد ألف طائفة من الرسائل أوضح فيها فلسفته الخاصة ( كفصوص الحكم ) و( احصاء العلوم ) و (  الجمع بين رأيى أفلاطون وأرسطو ) و ( آراء أهل المدينة الفاضلة ) وغيرها .

وقد كانت للفارابى معرفة بالطب ، وكانت له مواهب بارزة فى الموسيقى علما وفنا ، ويذكرون من براعته فى هذا الفن أنه صنع آلة موسيقية شبيهة بالقانون ، عزف عليها مرة فأضحك الحاضرين ، وعزف مرة ثانية فأبكاهم ، وعزف ثانية فأنامهم ثم انصرف .

التوفيق بين الفلسفة اليونانية والأسلام :-

حاول الفيلسوف العربى محاولة جديدة ، وهى أن يثبت أنه لاخلاف بين الفلسفة اليونانية من جهة ، وبين عقائد الشريعة الأسلامية من جهة أخرى ، فقد كان الفارابى فليسوفا ومسلما فى آن واحد ، أعنى أنه كان موقنا بجلال الفلسفة من جهة ، ومؤمنا بكمال الأسلام من جهة أخرى ، فالفلسفة والدين يعبران عن حقيقة واحدة من وجهين مختلفين ، وكل مافى الأمر أن الفلسفة فى سعيها للوصول الى الحقيقة تستعمل وسائل غير الوسائل التى يعمد اليها الدين ، ففى حين أن الدين يلجأ الى طرق التخيل والأقناع النفسى ، تلجأ الفلسفة الى المعقولات والبرهان المنطقى ، وبينما الفلسفة بطبيعتها تتجه الى ( الخاصة ) و ( أصحاب الأذهان الصافية ) نجد الدين انما يتجه الى الكافة والجمهور على حسب مايطيقون .

المدينة الفاضلة :-

كان الفارابى معنيا بالسياسة ، كان يحلم بتنظيم العالم تنظيما شاملا يجعل منه دولة مثالية على غرار جمهورية أفلاطون ، أو مدينة صالحة عاقله ، تكون رياسة الحكم فيها لفليسوف صفت نفسه ، حتى كاد أن يكون نبيا .

والمدينة الفاضلة التى ينشدها الفليسوف هى نموذج لمجتمع انسانى راقى ، يؤدى كل فرد فيه وظيفته الخاصة التى تلائم كفايته ، وأفراد المجتمع كأعضاء البدن ، متضامنون ، يخضعون لرئيس المدينة ويتشبهون به ، لأن ذلك الرئيس أوتى من الخصال الرفيعة مايصعب تحققه فى عامة الناس ، فهو سليم البنية ، جيد الذهن ، ثاقب الذكاء ، حاضر البديهة ، ماضى العزيمة ، حصيف صادق ، متجرد عن المادة ، مؤثر للذات والروح .

وتذكرنا الخصال التى يتحلى بها رئيس المدينة الفارابية ، بصفات الفليسوف الأفلاطونى فى ( الجمهورية ) كما تذكرنا بالصفات التى خلعها الرواقيون على ( الحكيم ) ولكن الفارابى يضيف الى خصال الرئيس خصلة أخرى ، وهى قدرته على الأتصال بالعقل الفعال ، الذى هو أعلى منزلة من العقل الانسانى ، وغاية العقل الأنسانى وسعادتة فى أن يتصل بالعقل الفعال ، وبهذا الأتصال يقترب الأنسان من الله ، وبالطبع ليس كل انسان قادرا على هذا الأتصال بالعقل الفعال ، وأنما يستطيعه القليليون من أهل الصفاء الذين لم يشغلهم عالم المادة عن عالم الروح ، فسعوا الى أختراق حجب الأرض ، وتطلعوا الى أجتلاء أنوار السماء .

وأهل الصفاء عند الفارابى فريقان ، فريق الفلاسفة ، وفريق الأنبياء ، وكل من الفريقين يستطيع على طريقته الخاصة أن يجتلى تلك الأنوار ، اذ يتصل بالعقل الفعال ، فما يستطيعه الفليسوف بالنظر العقلى والتأمل الفلسفى ، يستطيعه النبى بمخيلتة ممتازة ، وقوة قدسية أودعها الله تعالى فيه .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً