فيثاغورس عبقرى الرياضيات

فيثاغورس عبقرى الرياضيات

يعرف معظمنا اسم فيثاغورس Pythagoras حتى لو لم تكن الرياضيات هى موضوعنا المفضل ، بسبب النظرية التى تقترن بأسمه ، والتى تنص على أنه فى المثلث القائم الزاوية يكون مربع الوتر ، أى الضلع الأطول ، مساويا لمجموع مربعى الضلعين الآخرين ، ولعلنا لا نعرف أنه أكتشف أيضا أن مجموع الزوايا الثلاث لأى مثلث يساوى زاويتين قائمتين ، بل ويعتقد بعض الناس أنه هو الذى فكر فى جدول الضرب المعروف ، رغم عدم وجود مايثبت ذلك .

الصيغة الهندسية لنظرية فيثاغورس. مجموع مساحة المربعين الواقعين على الضلعين a و b يساوي مساحة المربع الواقع على الضلع c
الصيغة الهندسية لنظرية فيثاغورس. مجموع مساحة المربعين الواقعين على الضلعين a و b يساوي مساحة المربع الواقع على الضلع c

ولقد كان مفتونا بالأرقام ، وأشهر أقواله ( كل الأشياء أرقام ) ، وليس ذلك قولا شاذا كما يبدو لأول وهلة ، ويكفى أن نتذكر أن كل شىء فى العالم انما يتكون من أعداد من الذرات مرتبة بأشكال مختلفة ، وكان فيثاغورس يفكر فى الأعداد وهى تكون أشكالا كالتى نراها فى نرد الزهرة للطاوله ، وفكرة تسمية الأعداد مربعه Square أو مكعبه Cubic انما هى فكرته هو .

 في مثلث قائم الزاوية، مربع طول الوتر يساوي مجموع مربعي طولي الضلعين المحاذيين للزاوية القائمة
في مثلث قائم الزاوية، مربع طول الوتر يساوي مجموع مربعي طولي الضلعين المحاذيين للزاوية القائمة

حياته المبكرة :-

قد يبدو غريبا أن نفكر فى أن فيلسوفا ورياضيا اغريقيا عاش منذ 2500 سنة تقريبا لايزال يلعب دور فى تعليمنا الحالى ، بيد أن هذا حقيقى بالنسبة لفيثاغورس ، فلقد ولد حوالى عام 580 قبل الميلاد بجزيرة ساموس Samos  فى بحر ايجة ، بالقرب من اليونان ، ولسوء الحظ ، لم يخلف وراءه أى مؤلفات ، لأن ورق البرشمان لم يكن قد اخترع بعد ، وكانت أقراص الشمع من الصغر بحيث لاتكفى الا للخطابات أو الكتابات المختصرة الأخرى ، ومعظم مانعرفه عنه نقل الينا عن طريق كتاب متأخرين ، كما هو الحال مع عظماء الرجال جميعا ، فأن الحقائق تختلط غالبا مع الأساطير فى قصة حياته وفكره .

كان الأغريق فى القرن السادس قبل الميلاد ، شعبا مزدهرا متحضرا حضارة عالية ، وكانت جزيرة ساموس احدى مراكزهم ، التجارية الهامة ، وتمتاز بثقافة نامية ، وكان متاحا لفيثاغورس الصغير ، وهو ابن مواطن ميسور الحال ، أن يتلقى أفضل تعليم ممكن حينئذ ، ولقد أبدى فى سن مبكرة فطنة عظيمة ، ويبدو انه ما أن بلغ السادسة عشرة من عمره حتى عجز أساتذته عن الأجابة عن أسئلته ، وأوفد ليتتلمذ على طاليس الملطى Thales of Miletus ، أول أغريقيى يجرى دراسة علمية للأعداد ، واحد حكماء اليونان السبعه ، ولعل فيثاغورس فى هذا الوقت كان قد صاغ أشهر نظرياتة ، التى شرع بعدئذ فى اثباتها ، وكان فى الواقع أحد مؤسسى نظام البرهان الهندسى كما نتعلمه حتى الآن فى المدارس ، ولم يكن الرياضيون قبل ذلك يظنون أنه من المهم أن تتطابق أو تختلف نظرياتهم مع الحقيقة .

446px-Sinus_und_Kosinus_am_Einheitskreis_1-ar.svg

سنوات الأرتحال :-

لم يكن فيثاغورس مولعا بالأعداد والهندسة Geometry فحسب ، بل وبالعلوم الأخرى التى كانت معروفة وقتئذ ، وكان شغوفا أيما شغف بالدين ، ولما لم تكن هناك كتب ، فقد كانت الطريقة الوحيدة لمواصلة الدراسة هى الأرتحال ومقابلة رجال العلم الآخرين ، وفى خلال الثلاثين السنة التالية ، تصلنا أنباء عنه من فارس وبابل والجزيرة العربية ، بل و أبعد الى الهند حيث كان بوذا يدعو لدينه الجديد ، ولقد سجل كاليماخوس ، أمين مكتبة الاسكندرية فى القرن الثالث قبل الميلاد ، أن فيثاغورس قضى عدة أعوام فى مصر ، ومن المرجح أنه توسع فى تعلم الموسيقى ودرس العلاقة بين الحساب والموسيقى ، وهى من اهم اكتشافاته ، فعلى سبيل المثال ، يمكن عزف طبقة الأوكتاف ( دو – دو ) وطبقة الخماسى ( دو – سو ) بأيقاف وتر آلة موسيقية عند نصف وثلثى طوله ، والمصطلحان الوسط التوافقى 

Harmonic mean والمتوالية التوافقية  Harmonic progression  انما يأتيان من هذا الأكتشاف ، وما أن بلغ فيثاغورس الخمسينات من عمره حتى كان قد تعلم الكثير ، فأراد أن ينشىء مدرسة ليعلم الآخرين .

مدرسة كروتونا :-

أسس فيثاغورس مدرسته حوالى 529 قبل الميلاد فى كروتونا Crotona ، وهى ميناء اغريقية مزدهرة فى جنوب ايطاليا ، وسرعان ما التحق بها 300 شاب ، وكانت أقرب الى ان تكون فرقة دينية من أن تكون مدرسة ، فلقد كان أعضاؤها يتعارفون بأشارة سرية ، وكانوا يتشاركون فى تملك جميع الأشياء ، وتعاهدوا على ان يعاون بعضهم بعضا .

Chinese_pythagoras

وكانت موضوعات الدراسة هى درجات الحكمة الأربع ( الحساب – الهندسة – الموسيقى – الفلك ) ، وواجبات الآنسان نحو الأخرين ، والدين ، وكان المفروض فى التلاميذ أن يمارسوا فضائل المروءة ، والتقوى ، والطاعة ، والأخلاص ، أى فى الواقع جميع الفضائل فى المثالية الأعريقية للرجل الطيب الشجاع .

وكان من معتقدات فيثاغورس الرئيسية ، والتى اشار اليها شكسبير 

Shakespeare فى مسرحيته الليلة الثانية عشر وفى تاجر البندقية الاعتقاد بتناسخ الأرواح Transmigration of Souls  ، أى انه عندما يموت انسان فان روحه تنتقل الى جسم أخر ، بشرى أو حيوانى ، وكان فيثاغورس يذهب الى أنه لايمكن الا بعد حياة نقية أن تتحرر الروح من سجن أو قبر الجسد وتفوز بالخلود فى السماوات .

والحياة النقية كانت تعنى حياة التقشف ، ولكن الكثير من القواعد التى وضعها فيثاغورس كانت تشبه الطقوس البدائية ، فعلى سبيل المثال ، كان من المحظور على التلاميذ أن يأكلوا الفول ، أو يكسروا الخبز ، أو يقلبوا النار بقضيب من الحديد ، أو يلتقطوا ماوقع على الأرض .

وكان المظنون أن الموسيقى بالغة الأهمية فى السمو بالروح ، وعلى ذلك درس التلاميذ نظرية الموسيقى وعلم التنجيم Astrology ، وكان من تعاليمه أن السماء كلها تتكون من مقياس أو عدد موسيقى ، وكان فيثاغورس فى الواقع من أوائل الناس الذين أيقنوا أن الأرض والكون مستديران ، وعلى ذلك كان التعليم يجمع بين الدراسة العلمية ، والدين ، والقواعد الأخلاقية ، وكان تدريس فيثاغورس نفسه خليطا غريبا من التصوف Mysticism ، والأدراك العقلى Reason ، وكان مريدوه يعتبرونه نصف آله ، بل ان الأكتشافات الرياضية والفلكية التى تمت بعد وفاته كان الأعتقاد السائد بأنها من عمله .

600px-Gougu1.svg

ولسوء الحظ فان الفيثاغورسيين انغمسوا فى السياسة ، وكانوا كلما اكتسبوا سلطانا ، أظهروا الأحتقار للجماعات الجاهلة وغير الفلسفية ، التى لاتستطيع أن تحيا حياة التأمل الرفيعة ، وقد أدى هذا الى سقوطهم ، بعد ان ثار الناس عليهم ، ونفى فيثاغورس ، حيث توفى وهو فى سن الثمانين

ومع ذلك فلقد ظل لأفكاره تأثير عظيم ، وكان أفلاطون Piato ، بالأخص من مستلهميها ، وبعد مائتى عام من وفاته ، أقام مجلس الشعب تمثالا لفيثاغورس فى روما ، تكريما له بوصفه 

( أحكم وأشجع الأغريق ) 

‫0 تعليق

اترك تعليقاً