العالم الفلكى الكبير جيوفانى سكياباريللى

جيوفانى سكياباريلي

جيوفانى سكياباريللى

لو أن عظمة الرجل تقاس بعدد الأوسمة التى حصل عليها ومدى أهميتها ، لكان جيوفانى سكياباريللى ، Giovanni Schiaparelli ، بغير جدال أعظم الرجال ، فلقد حصل على الميدالية الذهبية لجمعية الأربعين – XL الايطالية ، واستحق مرتين جائزة لالاند ، Lalande ، التى تقدمها الأكاديمية الفرنسية ، كما حاز الميدالية الذهبية من جمعية علوم الفضاء الملكية فى لندن ، والميدالية الذهبية من الأكاديمية الألمانية الأمبراطورية ، وفى عام 1885 ، عين شيخا للمملكة .

وعلينا أن نذكر بعد ذلك ، أن جميع هذه الأوسمة والجوائز قد استحقها بكل مافى هذه الكلمة من معنى .

ويكفى أن نفكر فى مدى التواضع الذى طبع عليه هذا الرجل ، الذى كان يعاف أى كريم ، ووهب نفسه كلية لدراسته التى عشقها ، ويروى عنه فى هذا الشأن ، أنه قرأ ذات يوم فى الصحف نبأ عن البروفيسير سكياباريللى ، بغير أية أشارة تحدد هوية ، مفاده أنه قد عين شيخا ، فأنصرف ذهنه على الفور ، الى أن الأمر خاص بخال له أستاذ فى الجغرافيا ، وعضو فى أكاديمية العلوم ، فكتب له على الفور بطاقة تهنئه .

حياته :-

كان سكياباريللى عالما فلكيا ، وكان العمل الذى قام به على اكبر قدر من الشمول والاتساع ، فقد كتب المئات من المؤلفات فى علم الفلك ، وفى علوم الرياضة ، وفى علوم الأرصاد الجوية ، وفى تاريخ العلوم ، كما أنه قام بتحقيق وتنسيق عدة آلاف من الملاحظات ، وعمليات رصد الأجسام السماوية ، التى أستخرج منها نظريات تتسم بالعبقرية ، ولايزال الجانب الأكبر منها يعمل به حتى اليوم ، ولكى يتمكن من قراءة المؤلفات القديمة فى علوم الفلك بلغاتها الأصلية ، فقد عكف وحده على دراسة وأتقان اللغات اليونانية ، والعبرية ، والبابلية .

جيوفانى سكياباريللى

ولد جيوفانى فيرجينيو سكياباريللى ، Giovanni Virginio Schiaparelli ، يوم 14 مارس 1835 م ، فى سافيليانو Savigliano بأقليم كونييو Cuneo ، حيث كان أبوه يتولى أدارة أحد الأفران العالية ، وعلى يديه تعلم كيف يتعرف على مجموعات الكواكب والنجوم الرئيسية ، وكان منذ نعومة أظافره محبا للتأمل فى السماء المرصعة بالنجوم ، وقد حدث ذات يوم ، وكان عائدا مساء ، وهو لايزال فى السادسة من عمره ، مع والده الى البيت فأذابجيوفانى يستغرق تماما فى تأملاته لمرأى بعض النجوم وهى تهوى ، وعندما اشتد عوده ، راح يدرس عشرات الأعوام تلك الأجسام السماوية ، حتى أدرك تفسير وجودها وأصولها .

وعندما أتم مرحلة دراسته الأبتدائية تحت اشراف والده ، التحق بمدرسة سافيليانو الثانوية بالقسم العلمى ، وبعدها دخل جامعة تورينو Torino ، حيث تخرج عام 1854 م ، مهندسا هيدروليكيا ومعماريا ، وكان حينئذ فى التاسعة عشرة من عمره .

غير أنه لم يتراجع عن هوايته المحببة القديمة الخاصة بعلوم الفلك ، وهى العلوم ، التى كان يحس فى أعماقه بأنه لايزال مشدودا اليها ، وعلم عند ذلك أن دراسة هذه العلوم متعمقة فى ألمانيا ، فعكف على دراسة اللغة الألمانية مباشرة .

وكان قد انقضى عامان على تخرجه فى الجامعة ، ولم يكن قد بدأ بعد ممارسة مهنته ، اذ كان يشعر بأنه ليس مهيأ تماما ليعمل مهندسا ، أو لكى ينصرف الى الأعمال المرتبطة بهذه المهنة ، وقد ظل فى هذه الحيرة الى أن أنقذه منها أحد المذنبات .

كان هذا المذنب ، تبعا للتوقعات ، سيصل الى مقربة من الأرض فى عام 1856 م ، وذلك بعد ثلاثة قرون من آخر مرة ظهرف فيها ، وهنا انهمك سكياباريللى فى دراسة مسار النجم ، فملأ مجلدين بالعمليات الحسابية والملاحظات التى كتب بعضها بالأيطالية ، وبعضها الأخر باللاتينية ، واليونانية ، والألمانية ، والأنجليزية ، وقد حصل نتيجة لهذا العمل على جائزة ، كان من شأنها أن أتاحت له الفرصة للاستمرار فى دراسته بالخارج .

وقصد برلين فى البداية ، حيث درس علم الفلك ، وتابع فى نفس الوقت دراسات أخرى فى الفلسفة ، والجغرافيا القديمة والحديثة ، والأرصاد الجوية ، وتاريخ العلوم ، والرياضيات وغيرها ، ثم ذهب بعد ذلك الى مرصد بولكوفو Pulkovo ، الفلكى فى بطرسبورج ، وهناك قام برصد الكواكب ، تحت أشراف كبار رجال الفلك .

جيوفانى سكياباريللى

وفى يوليو 1860 م ، عاد سكياباريللى الى ايطاليا ، حيث عين فى البداية فى منصب الفلكى الثانى ، ثم مديرا لمرصد بريرا Brera فى ميلانو ، وفى بريرا ظل أربعين عاما دائم الانهماك فى ملاحظاته وأبحاثه

صورة للمرصد حوالي بين عامي 1886-1890.
صورة للمرصد حوالي بين عامي 1886-1890.

، وقد تزوج فى عام 1865 م ، من فتاة تدعى ماريا كوموتى ، ورزق منها بخمسة أبناء ، ثلاثة ذكور واثنتين من الأناث .

وفى عام 1900 ، وكان قد بلغ الخامسة والستين ، ترك المرصد ، واسنحب ليعيش حياته الخاصة ، ولكنه بطبيعة الحال لم يعرف الراحة ، اذ عكف على الكثير من أبحاثه لكى يستكملها ، وظل يعمل حتى توفى عام 1910 م .

أعماله :-

لكى نجمل الأعمال التى قام بها سكياباريللى ، لن يكفينا مجلد كامل ، ولذلك فأننا سنشير فقد الى أكثر نظرياته شهرة ،وهى النظرية التى توصل اليها فيما يتعلق بالمذنبات ، وأصل النجوم الهاوية ، فالمذنبات تبعا لما يقول به العالم الفلكى الكبير ، قد تكونت من مجموعة من المادة الفضائية ، التى بوصولها الى مقربة من الشمس بتأثير الحرارة والجاذبية الشمسية الهائلة أخذت فى التمدد بصورة كبيرة ، وعند ذلك تأخذ فى تكوين نفثات من المادة المضيئة الهائلة الحجم ، والتى يمكن لضخامتها أن ترى من مسافات شاسعة تصل الى ملايين الكيلومترات .

ويأخذ جانب من هذه المادة فى الابتعاد عن المجموعة الى مسافات كبيرة ، ويستقل عنها ، أى أنه لايصبح منجذبا اليها ، غير أن هذه المادة الفضائية المكونة من ملايين الأجسام الصغيرة ، بالرغم من أنها لم تعد تنجذب الى المجموعة ، تستمر فى السير فى مدار المذنب الذى كانت جزءا منه ، ونظرا لأن سرعة الأجسام الصغيرة تختلف الواحدة عن الأخرى ، وان كان أختلافا هينا ، فأنه يحدث مع مرور الزمن ، أن يصبح مدار المذنب بأكمله ، وقد انتشرت فيه سحابة من الأجسام الصغيرة السابحة فى الفضاء ، على مسافات كبيرة ، الواحد عن الآخر .

وهذه الأجسام الصغيرة التى تتكون من مادة المذنبات ، هى أصل النجوم الهاوية ، التى يمكننا رؤيتها من الأرض ، عندما تلتقى الأرض فى دورانها بمدار هذا المذنب .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً