علية بنت المهدى الموسيقية المطربة العابدة الزاهدة

علية بنت المهدى المغنية الشاعرة العابدة الناسكة

علية-ابنة-المهدي-العباسية

كانت أمهامكنونة المغنية ، أنضر جوارى المدينة وجها ، وأسمحهن منظرا ، وقد أشتراها المهدى فى حياة أبيه المنصور ( 775 – 785 م ) بمائة ألف درهم ، وقد وهبها من قلبه أكثر من هذا المال وشغف بها ، وكان قد أخفى أمرها حتى وفاة المنصور ، فولدت له علية .

فنانة ومتعبدة ؟ :-

نشأت علية أميرة تستقبل خلافة بعد خلافة ، فمن خلافة الأب والجد ، الى خلافة الأخ وابن الأخ ، فنشبت زهرة يانعة مدللة ، بين مقاصير الذهب وبسط الحرير ، وثقفت بما هو جدير بأمثالها ، تقول الشعر الجميل ، وتصوغه لحنا أجمل ، وتؤديه بأعذب صوت وأبرع أداء ، ولها الى جانب ذلك ملاحة طبع ، وايناس روح ، وجمال دعابة .

الاميرة علية بنت المهدى العباسية

وقد جمعت علية بين شخصية الفنانة البارعة ، وصفات المتعبدة المصلية ، فما تكاد تنال نصيبها من الغناء ، حتى تنصرف الى تلاوة القرآن وقرآة الكتب ، وانك لتعجب اذا علمت أن هذه الموعظة الجميلة القصيرة قد صدرت عن هذه الموسيقارة الشاعرة المبدعة حيث قالت :-

( ماحرم الله شيئا الا وقد جعل منه عوضا ، فبأى شىء يحتج عاصيه والمنتهك لحرماته ) ، وكان ايمانها بطهارة تاريخها ينطقها بهذا الأعتزاز والفخر اذ تقول :-

( لاغفر الله لى فاحشة ارتكبتها قط ) .

علية وأخوها ابراهيم :-

وقد كتب التاريخ الكثير عن أنباء أخيها أبراهيم بن المهدى ومكانته من الغناء ، تلك المكانة التى سامى بها اسحاق وأباه أبراهيم الموصلى ، وما كان له من براعة الابتداع والانشاء فى هذا الفن ، وها نحن أولاء نرى المؤرخين يقومون علية على أخيها فيقولون :-

( ما أجتمع فى الأسلام أخ وأخت أحسن غناء من أبراهيم بن المهدى وأخته علية ، وكانت تقدم عليه ) .

وانما غلبت شهرة أبراهيم عليها ، لأنه كان أكثر ظهورا فى المجلس والمناظرات ، ويستطيع التنقل فى حرية وانطلاق ، بينما هى محصنة لاتغنى الا حين يطلب اليها الخليفة ، وهى كثيرة التعبد ، غنية عن الشهرة ، وليست بحاجة الى أن يعرف الناس عنها تلك المكانة فى الغناء .

غنى البنان المغنى المشهور لحنا بديعا فى حضرة المعتصم ( 833-842 م)،

فأبتسم أحد أقطاب الفن ممن شهدوا ذلك المجلس ، وسأله المعتصم عن بواعث ابتسامته ، فأجاب أن سبب أجتماع الشرف من ثلاث جهات على هذا الشعر ، فى قائله وملحنه ومستمعه ، أما قائله فالرشيد ، واما ملحنه فعلية ، وأما مستمعه فأنت يا أمير المؤمنين ، وهذه القصة القصيرة تضع أيدينا على المستوى الذى ارتفعت اليه الموسيقى فى ذلك العصر الزاهر .

وكانت علية تلحن الكثير من شعرها ، دون أن تعنى بما يروى عنها ، أو يعرفه حتى أقرب الناس اليها ، أستيقظ الرشيد يوما على غير عادته ، وقصد منزل أبراهيم الموصلى قرب السحر ، فأستمع عنده جاريتين غنته احداهما أبياتا مطلعها :-

بنى الحب على الجور فلو

أنصف المعشوق فيه لسمج

ليس يستحسن فى حكم الهوى

عاشق يحسن تأليف الحجج

فسألها الرشيد لمن الشعر والغناء ، فقالت لستى ، قال ومن ستك ، فأجابت فى أستحياء انها علية بنت المهدى ، وسمع من الثانية لحنا آخر فى أبيات شعرها وغناؤها لعلية أيضا ، فأسرع الرشيد الى أخته ، واستعاد منها هذه الألحان ، فأعادتها بعد تدلل وتجن وأنكار ، فقال ياسيدتى أعندك كل هذا ولا أعلم .

رسم تخيلي لهارون الرشيد وهو يستقبل وفد شارلمان بريشة يوليوس كوركت 1846.
رسم تخيلي لهارون الرشيد وهو يستقبل وفد شارلمان بريشة يوليوس كوركت 1846.

ولهذا فأن لعلية كثيرا من الألحان لم يتبادلها الرواة ، يؤيد ذلك ويزيده برهانا ، ماروى من أن الرشيد أسمع بعض المقربين اليه غناءها من وراء الباب ، ثم قال بعد أن ملك الطرب عنانه انها علية بنت المهدى ، ووالله لئن نطقت بين يدى أحد بأسمها وبلغنى لقتلتك .

وكانت علية فنانة رقيقة ، تستمرىء مع عشيرتها وأسرتها ذلك الغذاء الشهى من الشعر والغناء ، فتقدم لهم منه مع الطعام والشراب رحيقا من الألحان ، فى أكواب من حناجر جواربها الحسان ، كما صنعت ذلك فى مجلس ضم أخويها الرشيد وأبراهيم ، حتى اذا سمعا وطربا كتبت اليهما فى رقة تحييهما وتقول :-

( لقد صنعت ياسيدى أختكما هذا اللحن اليوم ، وألقيته على الجوارى واصطبحت فبعثت لكما به ، وبعثت من شرابى اليكما ومن قيناتى وأحذق جوارى لتغنيكما ، هنأكما الله وأطاب عيشكما وعيشى بكما ) .

برها بأهلها :-

ولعلها وهى بارة بأهلها ، كريمة بفنها ، كانت أغزر برا وأوفى عطفا ، حين رأت أم جعفر زوج الرشيد وهى حيرى شاردة البال ، فأن ثمت جارية حسناء استأثرت بقلب الرشيد ، وشغلت منه يوما نسى فيه كل شىء سواها ، واذ ذاك استنجدت أم جعفر بعلية ، فكانت خير مواس لها فى محنتها النفسية ، وقالت فى شجاعة وحزم وثقة بمقدرتها :-

هارون الرشيد واخته علية بنت المهدى

( لايهولنك هذا فوالله لأردنه اليك ) ، ثم صنعت شعرا ، وصاغت للشعر لحنا ، ووضعت له منهجا خاصا من الأداء لم ير مثله الرشيد ، ولم يسمع بمثله الخلفاء فى قصور دمشق ولا بغداد ، فجمعت جواريها ، وجوارى أم جعفر ، وبقية جوارى القصر من المغنيات فى أجمل ثياب ، وأبهى حلل ، وأبدع المناظر ، وما هى الا ساعة حتى فوجىء الخليفة بعد صلاة العصر بموكب لم يعرفه ، ومشهد لم يألفه ، عدد لايحصى من الجوارى المغنيات يطالعنه ، وفى الصدارة منهن علية من جانب وأم جعفر من جانب أخر ، يرددن جميعا فى صوت واحد من شعر علية وتلحينها :-

منفصل عنى وما 

قلبى عنه منفصل

ياقاطعى اليوم فمن

نويت بعدى أن تصل

فملك الطرب عنان الرشيد ، وأقبل كالمعتذر الى أم جعفر وعلية .

حياتها ومماتها :-

وقد عاشت علية فى صون حجابها ، على معهود عصرها ، مغنية عازفة ، شاعرة ملحنة مبتكرة ، معلمة متعلمة ، كما عاشت ناسكة فى صومعة فنها ، وخلوة عبادتها ، فقد صامت وحجت ورتلت القرآن ، ثم قالت الشعر الرقيق السهل الممتنع ، وأرسلت الغناء الساحر الذى أن لم نسمعه ، فقد سمعنا عنه مايكفى .

وقضت علية سنة عشر ومائتين من الهجرة ( 825 م ) ، ولم تتجاوز الخمسين ربيعا من عمرها ، حياة كلها صبا وشباب ، عاصرت فيها الرشيد ، وقاطعت بعده الغناء ودواعيه حزنا عليه ، ثم ألح عليها الأمين فى خلافته فتكلفت ، وبعد أن قتل الأمين وأنتصر المأمون

الخليفة المأمون

، عادت أيضا الى الغناء فى قلة ، حتى ماتت بين يديه ، وصلى عليها بنفسه .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً