من أعظم العلماء بيير ومارى كورى maria-sklodowska،pierre-curie ‎ مكتشفى الراديوم

فى خريف عام 1891 م سافرت البولونية الشابة ماريا سكلودوفسكا maria sklodowska ، من وارسو الى باريس ، تاركة وطنها الذى يحتله الروس ، هربا من الشرطة القيصرية التى أتهمتها بالتآمر .

مارى كورى
صورة لماري كوري يرجع تاريخها إلى ما قبل سنة 1907.

والتحقت الفتاة الشابة التى أولعت بالدراسات العلمية بكلية باريس ، ولما كانت الفتاه فى فقر مدفع ، فقد عاشت فى حجرة ضيقة تكاد تتجمد فيها من برد الشتاء ، وتختنق من حر الصيف ، ولكى تتمكن من الحصول على المورد الذى يمكنها من متابعة دراستها ، قامت بغسل الزجاجات وملاحظة الأفران فى المعامل ، كما سبق أن فعل فاراداى Faraday العظيم ، وقد أستمرت ماريا تعمل فى هذه الظروف القاسية  عامين وأمضت ليال بطولها أمام منضدتها الصغيرة .

كان الخبز والشكولاته غذائها الوحيد طيلة أسابيع برمتها ، بيد أنها كانت سعيدة لأنها تستطيع أن تتابع دراسة الطبيعة الحبيبة الى نفسها ، وقد تصادف أن كان يعمل فى نفس المعمل عالم فرنسى شاب هو بيير كورى pierre-curie ، الذى كان يقوم بالأشتراك مع أخيه بأبحاث فى الكهربائية الطبيعية .

بييركورى
بيير كوري سنة 1906

وفى عام  1894 م تقابل مارى وبيير عند بعض الأصدقاء ، وسرعان ماشعر الشاب والفتاة بأنهما متقاربان ليس فقط تقاربا عاطفيا مشتركا ، ولكن أيضا بسبب شغف كل منهما بنفس العمل ،  وقد قدر لهذا التلاقى أن يصبح ذا شهرة فى تاريخ العلوم وكأنه يمثل شخصا واحدا ، ذلك لأن بيير ومارى كورى عملا دائما معا كما أنهما اكتشفا الراديوم Radium سويا .

أكتشاف عنصر غريب :-

بينما الزوجان كورى يعملان فى الجامعة ، كان هناك أمر غير عادى يحدث فى الحجرة المظلمة التى تستخدم كمعمل فى باريس للأستاذ هنرى بيكريل Henri Becquerel ، ذلك أن الأستاذ بيكريل كان قد ترك لفافة بها كمية من أملاح اليورانيوم Uranium فوق احدى اللوحات الفوتوغرافية فى الظلام ، واذا باللفافة تترك أثرا مطبوعا فوق اللوح ومن خلال الورق الذى كان يحوى اليورانيوم ، وقد أدرك بيكريل لتوه أن أملاح اليورانيوم كانت تبعث بأشعة من تلقاء نفسها ، فقام بفحص مادة المزيج الخام الذى يستخرج منه اليورانيوم ، ولاحظ أن لها تأثيرا فوتوغرافيا أقوى بمراحل مما يتناسب وكمية اليورانيوم التى يحتوى عليها ، واستنتج من ذلك أن المزيج لابد أن يحتوى على عنصر آخر ، وأن تأثير هذا العنصر فى الأنطباع على اللوح أقوى من تأثير اليورانيوم .

صورة تجمع الأب فلاديسلاف سكوودوفسكي وبناته ماريا وبرونسلافا وهيلينا (من اليسار إلى اليمين) سنة 1890
صورة تجمع الأب فلاديسلاف سكوودوفسكي وبناته ماريا وبرونسلافا وهيلينا (من اليسار إلى اليمين) سنة 1890

كان بيركيل على معرفة بيير ومارى كورى وبقدراتهما ، فتحدث مع مارى عن اكتشافه وسألها ما أذا كانت تود الأهتمام ببحث الموضوع ، وقد قبلت مارى هذا العرض بحماس ، كما أنها أقنعت زوجها بذلك وهى تقول له ( اننى واثقة أن الانطباع الذى حدث على اللوح يرجع الى وجود عنصر غير معروف ) ، فاستشارا منديليف Mendeleev ، وهو الذى وضع التبويب الدورى للعناصر الكميائية ، فجاءت اجابته من سان بطرسبرج بأن مجموعته المبوبة لاتشمل على عنصر من هذا النوع ، عند ذلك ترك الزوجان كورى كل ما كانا يقومان به من تجارب أخرى ، وطفقا يبحثان عن هذا العنصر الجديد .

معمل فى عنبر حقير :-

استأذن الزوجان فى استخدام مخزن صغير فى الطابق الأرضى من مدرسة الطبيعة ، كان أشبه بمغارة رطبة يلقى فيها بالآلات التى لم تعد صالحة للأستعمال ، وكتب بيير ومارى كورى الى الحكومة النمساوية التى كانت تمتلك مناجم خام اليورانيوم فى سان جواكمستال San Joachimsthal ببوهيميا ، حيث كانت أملاح اليورانيوم تستخدم فى صناعة الزجاج ، وبعد أيام قليلة وصلت الى الفناء الواقع أمام المخزن ، كمية تزن طنا من خام اليورانيوم ، ومن هنا بدأ الزوجان كورى عملا مرهقا ، فكانا يقضيان طوال اليوم تقريبا فى تحريك كتل الخام بقضيب من الحديد أثناء غليانها ، كانت الأبخرة المتصاعدة تحيل المكان الى جحيم ، والدخان اللاذع يلهب العين والحلق ، ومع ذلك استمر العالمان فى عملهما بشجاعة فائقة ، كانت مارى تقاسى كثيرا ، فليس هذا بالعمل المناسب لامرأة ، ولكنها لم تشك مطلقا وثابرت على مجهودها .

بيير وماري كوري في معملهما
بيير وماري كوري في معملهما

وأخيرا تم اختزال كمية الخام الى نحو خمسين كيلو جراما ، وفى يوليو عام 1898م ، تمكن الزوجان كورى من عزل عنصر جديد تبلغ درجة فاعليته ثلثمائة ضعف درجة فاعلية اليورانيوم ، وكان ذلك هو البولونيوم Polonium كما أسمته مارى تيمنا بذكرى بلدها بولونيا ، وهنا بدأ العمل المضنى ، فعلى المناضد القديمة التى فى العنبر ، كانت توجد مستحضرات أكثر تركيزا وأغزر احتواء على اليورانيوم ، وأخيرا عام 1902م ، أى بعد خمسة وأربعين شهرا من بدأ أبحاثهما ، كانت مارى أول أنسان استطاع أن يتأمل من خلال أنبوبة الاختبار ، حفنة مضيئة من مسحوق ابيض كثيف يشبه ملح الطعام ، الراديوم ، كان الهدف العظيم قد تحقق ، وأعلن الزوجان كورى نبأ اكتشاف العنصر الجديد الذى تبلغ فاعليته مليونى ضعف فاعلية اليورانيوم .

Marie_Curie_1903

وقد نال هذا الاكتشاف اعجاب العالم كله وأنهالت تقديرات الشرف على الزوجين العالمين ، وبعد بضعة أشهر 1903م ، حصلا على جائزة نوبل هما وبيكريل الذى دل مارى على اتجاه الأبحاث .

ماري كوري في عربة أشعة سينية متنقلة.
ماري كوري في عربة أشعة سينية متنقلة.

كانت مارى سعيدة ، فأن طفلتها الأولى ، ايرين Irene قد بلغت السابعة ، وكانت ولادتها فى الفترة القاسية لأبحاث أمها ( وايرين نفسها قد قدر لها أن تصبح عالمة عظمية وتحصل على جائزة نوبل فى عام 1935م ) ، وفى عام 1904 ، ولد لمارى طفل آخر ، ايف Eve ، وفى العام التالى عين بيير كورى أستاذا للطبيعة العامة بجامعة السوربون ، وقبل عضوا فى الأكاديمية .

في أول مؤتمرات سولفاي عام 1911، كوري (جالسة، الثانية من اليمين) مع هنري بوانكاريه (واقفًا، الرابع من اليمين) وإرنست رذرفورد (الثاني من اليمين) وألبرت أينشتاين وبول لانجفان (في أقصى اليمين).
في أول مؤتمرات سولفاي عام 1911، كوري (جالسة، الثانية من اليمين) مع هنري بوانكاريه (واقفًا، الرابع من اليمين) وإرنست رذرفورد (الثاني من اليمين) وألبرت أينشتاين وبول لانجفان (في أقصى اليمين).

المأساة :-

فى يوم ممطر ، الخميس 19 أبريل 1906 ، وفى حوالى الساعة الثانية والنصف ، كان بيير كورى خارجا من كلية العلوم ، وبينما هو يعبر الطريق ساهما من خلف أحدى العربات ، وجد نفسه فجأة أمام عربة أخرى ضخمة تجرها الخيول ، وقد أذهلته المفاجأة فحاول أن يتعلق بعنق أحد الخيول ، ولكن قدمه زلت فوق الأرض المبللة ، فأنطرح أرضا ومرت عليه العربة التى كانت تزن سنة أطنان ، ولفظ بيير أنفاسه الأخيرة فى الحال .

Marie_Curie_1903

تلقت مارى الصدمة بشجاعة ، ولم تجعل لحزنها الشديد سبيلا لأنهيارها ، فأنكبت على أبحاثها ، وبعد شهر من الحادث ، عينت أستاذة فى الكرسى الذى كان يشغله زوجها بجامعة السوربون .

المنزل الذي ولدت فيه ماريا سكوودوفسكي كوري في أوليكا فريتا بمدينة وارسو، والذي أصبح "متحف ماري سكوودوفسكا كوري". و المعمل الذي قامت فيه سكوودوفسكي بأولى تجاربها العلمية 1890–1891.
المنزل الذي ولدت فيه ماريا سكوودوفسكي كوري في أوليكا فريتا بمدينة وارسو، والذي أصبح “متحف ماري سكوودوفسكا كوري”.
و المعمل الذي قامت فيه سكوودوفسكي بأولى تجاربها العلمية 1890–1891.

320px-Krakowskie_Przedmiescie,_Warsaw

وفى عام 1911م ، حصلت مارى على جائزة نوبل للمرة الثانية ، وبعد سنوات من العمل الشاق ، أنشأت خلالها معهد الراديوم فى باريس ، وتوفيت مارى كورى فى أحدى المصحات يوم 4 يوليو عام 1934م ، وذهبت شهيدة تعرضها المستمر للراديوم ، ذلك العنصر الذى أكسبها المجد والفخار وكان سببا فى وفاتها .

قبر بيير وماري كوري في مقبرة العظماء في باريس.
قبر بيير وماري كوري في مقبرة العظماء في باريس.
‫0 تعليق

اترك تعليقاً