من أعظم مغنين العرب معبد ، مغنى الخلفاء فى العصر العباسى معبد

هو أبو عباد معبد بن وهب مولى عبد الرحمن بن قطن ( بفتح القاف والطاء ) .

نشأ بالمدينة وانتسب اليها ، وبلغ فى سماء الشهرة مالم يبلغه فنان قبله ، وأصبح مثلا يضرب فى التشبيه والثناء على كل مغن يبلغ الغاية فى فنه فيقال ( معبد زمانه ) وقد يكون ضارب المثل أو المادح ممن لايعرفون عن معبد غير أسمه .

نشأته :-

وتطالعنا فى نشاة معبد بادرة تكشف عن ناحية من نواحى العظمة فى مثل هذه الموهبه الفنية المبكرة ، حيث حدث عن نفسه قال انه كان وهو غلام يرعى الغنم لمواليه ، وانه كان يخرج بالليل فيستند على صخرة ملقاة ( فأسمع وأنا نائم صوتا يجرى فى مسامعى ، فأقوم من النوم فأحكيه ، فهذا كان مبدأ غنائى ) .

هذا هو الأيمان الذاتى الذى يكشف عن الميل الطبيعى فى الفنان ، وان دلت هذه البادرة على شىء ، فأنما تدل على أن معبدا كان بطبعه فى طليعة ارباب الغناء ، فقد كانت خواطره وهو غلام تهجس فى المنام بما تطمح اليه آماله فى اليقظة ، وهكذا كان معبد منذ حداثته أستاذ نفسه أولا ، يروى عن فطرته ، ويقلد وحيها فى اليقظة بما يتخيله طيفا فى المنام ، ثم أتيح له بعد ذلك أن يتصل بنشيط الفارسى ، وسائب خاثر ، وجميلة ، فيأخذ عنهم مادته الأولى .

كان والد معبد أسود اللون ، أما هو فكان خلاسيا ( وهو الولد من أبوين أسود وأبيض ) ، وكان فى خلقته مديد القامة ، ولئن كان فى نشأته عبدا معدما لايصلح الا لراعى الغنم ، فأن نبوغه وعبقريته قد ذللتا كل ما يمكن أن يحول بينه وبين الشهرة الذائعة ، وأن يبتسم له الحظ فيكون موضع اعظم تكريم ، وان يخلد التاريخ اسمه ومحاسنه .

عبقرية مبكرة :-

ولعل القصة التالية توضح لنا كيف كان الصبا فى حياة معبد يشف عن عبقرية منتظرة يخشاها علمان من أكبر المغنين فى عصره ، فيحسبان لها أكبر حساب ، فقد خرج ابن سريج والغريض ، ومكانتهما فى الغناء غير مجهولة ، الى المدينة بنشدان معروف أهلها الذين ينعمون فى دعة الحياة ورغد العيش ، فلما دنوا منها ، تقدما يرتادان مكانا كانت تغسل فيه الثياب ، فرأيا غلاما ملتحفا بأزار وبيده حبالة يتصيد بها الطير ، وهو يغنى :-

الطير فالنخل فالجماء بينهما          أشهى الى النفس من أبواب جيرون

ولم يكن هذا الغلام الا معبدا ، فلما سمعه ابن سريج والغريض ، مالا اليه واستعاداه أغنيته ، فراعهما أن يسمعا شيئا يفوق ماعندهما ، فسأل أحدهما صاحبه :  هل سمعت كاليوم قط ؟ قال : لا والله ، فما رأيك ؟ قال ابن سريج : هذا غناء غلام يصيد الطير خارج المدينة فكيف بمن فيها .. وكرا راجعين … فاذا كانت هذه حداثة معبد فكيف اذن كان شبابه وكهولته ؟

نضجه الفنى :-

ولما بلغ معبد النضج الفنى ، وأصبح مغنيا يشار اليه بالبنان ، أحترف صناعة التعليم ، وأصبح مدرسة للغناء يقصد اليها المتعطشون الى المورد العذب من هذا الفن ، يعهد الى الأشراف والسراة بتعليم الجوارى ، كما يختلف اليه المغنون من كل حدب فيتلقون منه ويأخذون عنه .

وكان معبد قد علم جارية من جوارى الحجاز الغناء تدعى ( ظبية )، وعنى بتخريجها فاشتراها رجل من اهل العراق ، فأخرجها الى البصرة ، وباعها هناك لرجل من اهل الأهواز ، اعجب بها غاية الأعجاب ، ومال اليها كل الميل ، ثم ماتت بعد أن أخذ جواريه أكثر غنائها عنها ، فكان لمحبته اياها وأسفه عليها دائم السؤال عن أخبار معبد وأين مستقره ، مظهرا التعصب له ، وبلغ معبدا خبره فقصد اليه ، وخرج الى البصرة ، وراح يلتمس سفينة ينحدر بها الى الأهواز ، فلم يجد غير سفينة كان قد اكتراها رجل ثرى وجواريه لنفس هذا الغرض ، ولم يكن هذا الرجل الا ذلك الذى خرج معبدا قاصدا لقاءه فى الأهواز ، وليس يعرف أحد منهما صاحبه ، فأمر الرجل أن يقبل هذا الضيف ، وأن يجلسه معه فى مؤخر السفينة ففعل ، وانحدروا ، ثم امر الرجل جواريه فغنين ومعبد ساكت فى ثياب السفر ، وعليه فرو وخفان غليظان ، الى ان غنت أحدى الجوارى من غنائه فلم تجد الأداء ، فصاح بها معبد : ياجارية ان غنائك هذا ليس بمستقيم .

فقال له مولاها ، وقد غضب : وأنت مايدريك ما الغناء ، لم لاتمسك وتلزم شأنك ، فأمسك معبد ، ثم غنت الجارية أصواتا من ألحان غيره ، وهو ساكت لايتكلم ، حتى غنت من أصواته لحنا أخلت ببعضه ، فقال لها معبد : ياجارية لقد أخللت بهذا الصوت اخلالا شديدا ، فغضب مولاها وقال له : ويلك ما أنت والغناء ألا تكف عن هذا الفضول ؟ فأمسك معبد ، ثم غنت جارية أخرى من غنائه فلم تصنع فيه شيئا ، فقال معبد : ياهذه أما تقومين على أداء صوت واحد ؟ فغضب الرجل وقال له : ما أراك تدع  هذا الفضول ، أقسم بالله لئن عاودت لأخرجنك من السفينة ، فأمسك معبد ، حتى أذا سكتت الجوارى لسيدهن : هذا والله أحسن الناس غناء ، فسله يعيده علينا ولو مرة واحدة لعلنا نأخذه عنه ، فأنه ان فاتنا فاننا لن نجد مثله أبدا ، فقال مولاهن ، قد سمعتن سوء رده عليكن ، وقد أسلفنا الأساءة اليه ، فأصبرن حتى نداريه ، ثم غنى معبد الصوت الثالث فزلزل عليهم الأرض ، فوثب الرجل أليه وقبل رأسه ، وقال : ياسيدى أخطأنا عليك ولم نعرف موضعك ، وأنا أعتذر اليك عما جرى ، وأسألك أن تنزل الى وتختلط بى .

ولم يزل يرفق به حتى نزل معبد اليه وقد سأله من أين أخدت جواريك هذا الغناء ، فقال : أخذته عن جارية كانت لى ، وكانت قد أخذت الغناء عن أبى عباد معبد ، فكانت تحل منى محل الروح من الجسد ، ثم أستأثر بها الله عز وجل ، وبقى هؤلاء الجوارى وهن من تعليمها ، فأنا الى الآن أتعصب لمعبد وأفضله على المغنين جميعا ، فقال له معبد : أنا والله معبد ، واليك قدمت من الحجاز ، ونزلت الى السفينة لأقصدك بالأهواز ، ووالله لأجعلن لك فى كل واحدة من جواريك خلفا من الماضية .

خلقه وسجاياه :-

كان معبد سمع الطباع ، كريم السجايا ، رحيب النفس ، بلغت به شهرته الطائرة وصيته البعيد ان اشتاق لسماعه الخليفة الوليد بن يزيد ( 743 – 744 م ) فوجه البريد اليه ، واتى بمعبد فأجلسه وبينهما ستر قد أرخى ، ولما غناه معبد رفع الوليد الستر ، ودعا له بخمسة عشر ألف دينار ، ومازال معبد بين غدوة وروحة الى قصر الخليفة ، حتى بلغ منه الكبر ، وأدركه الأعياء ، فنقله الخليفة الى قصره ، واشرف على تمريضه ، فلما فاضت روحه شيعه الخليفة مع أخيه ، ومشيا والجنازة بينهما فى تكريم وتوديع مؤثر من القصر الى مثواه فى القبر ، وانطوت صفحة معبد عام 734م ، بعد أن عاش اسمه ليكون مضروب الأمثال ، وحديثا للعصور والأجيال .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً