فنانة العروبة ومغنية الحجاز جميلة ، مغنية العصر الأموى الزاهر جميلة

فنانة العروبة ، ومغنية الحجاز ، ورافعة راية الطرب فى العصر الأموى الزاهر ، فما كان أحوج هذا العصر الى مثل جميلة ، فقد اضطربت فيه الأحداث ، واشتبكت المذاهب الأسلامية فى صراع عنيف ، وقد وجدت تلك النفوس المكدودة فى الفن عزاءها وسلوتها ، فكانت موسيقى ” جميلة ” النشيد العذب فى شباب الخلافة الأموية ، وترجمانه الساحر البديع .

65323200022-1

أول مدرسة للغناء العربى :-

و ” جميلة ” عبقرية امتازت بالبراعة ، والذكاء ، والقدرة على المحاكاة والتقليد ، وصحة الأداء ، ثم الأبتكار بعد ذلك ، كانت جارية ، عاشت بالمدينة حتى أعتقت ، ثم تزوجت وأقامت مع زوجها الثرى فى قصر مشيد وحاشية وخدم كثيرين ، وتعد ” جميلة ” علما من أعلام الغناء العربى ، بل هى مدرسة الموسيقى الأولى فى ذلك العصر الأسلامى المتقدم ، وقد تخرج فى مدرستها تلك النخبة المنتقاة التى حملت راية الفن العربى ، وقامت برسالته منذ فجر الخلافة الأموية الى أن تم نضجه فى الخلافات العربية الزاهرة ، وفى قصور بغداد ، وقرطبة ، والقاهرة ، أما مقام ” جميلة ” فيما بلغته فى فن الغناء ، فحسبنا فى ذلك شهادة معاصريها واقرارهم بفضلها ، قال الحسين بن يحيى ” كانت جميلة أعلم خلق الله بالغناء ” ، وقال معبد امام الغناء العربى فى ذلك العصر

” أصل الغناء جميلة وفروعه نحن ، ولو لم تكن جميلة لم نكن نحن مغنين ” ، لم يعرف أحد من مغنى العرب أو قيانهم قد سبق جميلة الى مثل مكانتها الغنائية ، ولم يكن من الميسور الانتقال فى ذلك العصر من حداء البوادى الى فن الحضارة بعقده  وتراكيبه دون تدرج وتطور ، فأين كانت المصادر الأولى لفن جميلة ؟

اتفقت الروايات التاريخية على أن سائب خاثر كان أول من حاكى الغناء الفارسى ، وأنه تأثر بنشيط الفارسى المغنى ، وها هى ذى جميلة تجيب حين سئلت ” أنى لك هذا الغناء ؟ ” بقولها ” كان أبا جعفر سائب خاثر جارا ، وكنت أسمعه يغنى ويضرب بالعود فلا أفهمه ، فأخذت تلك النغمات فبنيت عليها غنائى فجاء أجود من تأليف ذلك الغناء ” ، وهنا يجب الالماع الى أن هذه الأجابة القصيرة التى أجابت بها ” جميلة ” لاتعنى قصر المدة التى قضتها فى التعليم ، بل هى تشف فى ثناياها عن أمد طويل تابعت فيه جميلة سائب خاثر ، وقضت شهرا بعد شهر ، وربما سنة بعد سنة ، ويتجلى هذا بوضوح اذا تذكرنا أنه الغناء الفارسى الذى لم تفهمه جميلة فى بادىء الأمر ، فلابد من زمن ، وزمن غير قصير يكفى لتنطبع تلك الصور الفنية من أصلها الأعجمى ، ثم تستخلصها الى العربية الأصيلة ، بل أنك لتستشف من تلك الأجابة القصيرة تاريخا كاملا اذا شئت ، فها هى ذى فتاة ناشئة قد أرسلت نفسها أرسالا الى موسيقى فارسية تعتبر أجنبية عنها ، وأن كانت قريبة منها ، ثم نراها وقد حفظت ماسمعت وحافظت على ماحفظت ، ثم اذا اتممت عملية الهضم الفنى عملها ، بدأ دور الأبتكار والأخراج والأستاذية ، وهكذا كان تحصيلها أصغاء ووحيا ومثابرة مع توفر قوة الأستعداد ، وعبقرية فنية نادرة ، أتاحت لجميلة أن تنقل فنا استعجمت ألفاظه وحروفه خلف ستار من الألحان الأجنبية ، واستطاعت أن تعرب هذا الفن ، وان تطبعه بطابع بيئتها ، وتغنى به غناء عربيا وأبياتا جاهلية فى لغتها ، عصرية فى فنها ، ثم تراها بعد أن تقوم بهذه العمليات كلها من دراسة واستيعاب ، وخلق وابتكار ، تنشىء أول مدرسة للغناء العربى ، وتجلس للتعليم ، وتحترف الفن نفسه .

قبلة الغناء :-

جميلة مغنية العصر الاموى

كانت ” جميلة ” قبلة الغناء فى المدينة ، يؤم دارها المغنون والشعراء من مكة وسائر أقاليم الحجاز ، والمراجع العربية حافلة بوصف لياليها الساهرة ، وأغانيها الساحرة ، واستقبالاتها الفخمة ، وزوارها من أعلام الأمارة والثراء والفن ، نذكر من تلك الليالى ليلة أقامتها ” جميلة ” لتكريم عبد الله بن جعفر غنت فيها مع خمسين قينة ، وهو عدد لايستهان به فى ذلك العصر ، وقد وضعن على رءوسهن أكاليل الأزهار ، ولبسن أفخر الثياب ، فقالت لهن جميلة ” اضربن بضرب واحد ، وانشدن معى هذا الشعر وهذا اللحن بصوت واحد ” ، فلما سمع عبد الله هذا الفيض الغنائى يتدفق سحرا من هذا العدد الوفير من أصوات المعازف والقيان حول جميلة ، وهى تشدو بالمعجز المطرب ، قال ” ماظننت أن يبلغ الفن هذا الحد البعيد ، وحقا أن ذلك مما تفتن به القلوب ، وتضطرب له الحواس ” ، ويكفى فى وصف تلك الحفلات الشائعة التى كانت تقيمها جميلة فى دارها قول معبد ” مامررت بألذ من تلك الأوقات حتى ولا عند خليفة من الخلفاء ” . 

جميلة تحج :-

وها نحن نرى ” جميلة ” الفنانة المغنية فى طريقها الى حرم الله ، وكيف كان تقدير أعلام المدينة ومكة لها فى المضى والأياب ، وكيف صحبها الحور الحسان من الجوارى ، وكيف أحاطت بها مواكب ، ووفدت اليها أفواج ، يجرى ذلك كله فى صدر الاسلام وفى فجر الدعوة ، والأمة تجيش الجيوش ،وتغزو الأمصار ، قصدت جميلة الى الحج فصحبها شيوخ وشباب المغنين فى المدينة ، وشهيرات المغنيات ، وكثير من الأشراف والنساء ، وحج معها من القيان عدد كبير وجه به اليها مواليهن تعظيما لقدرها ، ولما قاربوا مكة تلقاهم أعلام المغنين فيها وعدد عظيم من الشعراء ، فى مقدمتهم عمر بن أبى ربيعة ، وقيان كثيرات ، فدخلت جميلة مكة ، وما بالحجاز كله مغن بارع ولا مغنية الا كان فى صحبتها ، وخرج أهل مكة من الرجال والنساء ينظرون الى جمعها ، وحسن هيئتهم ، فلما قضت حجها سألها المكيون أن تجعل لهم مجلسا ، فقالت ” للغناء أم الحديث ” قالوا لهما جميعا ، ولعلنا ندرك فى قول جميلة ” للغناء أم الحديث ” ، لونا آخر ، هو الجانب الثقافى لجميلة ، ولعل الحديث هنا أعم من الحديث الدينى الشريف ، فقد يكون حديث الأدب فى منظومه ومنثوره ، وحديث الرواية والأنساب ، وأيام العرب وحروبهم ، وكذلك كان الفنانون فى عصر القوة والمجد لايقف بهم الأمر على منظومات يلقنونها فى مواطن كسب العيش ، وانما كان الفن للفن ، والى جانبه علم أطلاع بماضى الحياة وحاضرها .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً