عالم الطفل وتنشيط ذكائه ، العالم جان بياجيه Jean Piaget وعلم ذكاء الطفل

علم ذكاء الطفل

يشغل الطفل حيزا متوسطا بين عالم الحيوانات وعالم الكبار ، ونحن جميعا مدينون لأعمال جان بياجيه Jean Piaget بوضع جديد لعلم النفس الخاص بالأطفال ، بأعتباره مدخلا الى تطور الفكر البشرى .

نتيجة بحث الصور عن جان بياجيه

نضوج مبكر :-

ولد بياجيه فى نيوشاتل فى عام 1896 م ، وبدأت حياته بمقال كتبه وهو فى الحادية عشر من عمره ، كان قد بدأ قبل ذلك بوقت طويل ، يهتم بالطيور والحفريات ، وفى ذات يوم ، شاهد فى الحديقة العامة عصفورا دوريا أبيض اللون ، أجتذبه هذا المشهد ، وآثار أهتمامه فأخذ يراقب ، وشرع يكتب وصفه فى عدة صفحات ، وقد نشر هذا الوصف ، وأصبح الصبى صديقا ومساعدا لمدير متحف التاريخ الطبيعى فى نيوتاشل ، وأخذ يساعده فى جرد مجموعة من القواقع النادرة ، فبادر الصبى بجمعها ، وضمها الى مجموعته الخاصة ، وعندئذ كتب مقالا من 25 صفحة عن علم الرخويات وسلوكها ، كانت تلك السنوات ذات آثر حاسم على مستقبله ، اذ أنها دفعته الى مواصلة دراسة الرخويات ، الى أن على الدكتوراه فى موضوع رخويات ثنائية فى عام 1918 م ، كانت النشأة العلمية التى مر بها بياجيه ، ذات تأثير عظيم عليه ، فقد تعلم كيف يرتب الظواهر التى يشاهدها كل يوم ، ويقوم بتبويبها وانتقائها ، كما تعلم أن يستشف أدنى آثر للحياة ، من أدق التفاصيل التى تواجهه .

الاتجاه نحو علم النفس :-

بينما كان بياجيه يستعد لأمتحان البكالوريا ، أكتشف الفلسفة والمسائل الدينية ، كما تحمس لنظريات برجسون Bergson فى التطور ، فأخذ يحاول تكييفها بتكوينه العلمى ، فى اطار حديث ، وهو علم النفس ، وفى جامعة السوربون ، أجرى أولى أختباراته فى منطق التفكير على تلاميذ باريس ، وفى تلك الفترة ، توصل الى ادراك الفرق الشاسع بين أسلوب التفكير عند الأطفال فى سن الحادية عشر ، وبين البالغين ، وعندئذ قرر أن يعكف نهائيا على دراسة الأطفال ، وعندما عاد الى جنيف فى عام 1921 م ، واصل تجاربه فى معهد جان جاك روسو ، وهو اليوم معهد العلوم التربوية ، وبعد أن تزوج من أحدى تلميذاته ، سرعان ماوجد حقلا جديدا لتجاربه ، تمثل فى أطفاله ، الذين أخذ يدرس تطورهم فى كل لحظة ، وجعلهم يمرون بكل أنواع الأختبارات

نتيجة بحث الصور عن جان بياجيه

، التى كانت لها فى نفوسهم ، ذكرى جميلة ، كان يطبق على الانسان النظريات الأحيائية التى كان يلاحظها وهو لايزال طفلا ، وكان الأكتشاف الذى توصل اليه مذهلا ، وهو أن الذكاء البشرى ، ليس كله مكتسبا ، ولكنه يتطور باطراد ، تبعا للبيئة  التى تحيط بالفرد منذ نعومة أظافره ، الى أن يبلغ سن المراهقه ، وعندئذ عكف على وضع أسس نظام كامل لتفسير السلوك ، لقد عزا للطفل ، السهولة البالغة لأدراكه معنى حادث لا أهمية له ، وهى الطريقة التى أستخدمها مع الطبيعة وحدها ، وابتداء من تلك المرحلة ، يصبح الأنسان نفسه موضوعا للتجربة ، ومن الكتب التى ألفها ، وأدت الى تغير نظرة الأنسان البالغ الى عالم الطفل ، نذكر ( نشأة الذكاء لدى الطفل ) ، ( اللغة والتفكير عند الطفل ) ، ( تكوين الواقع ) ، ( ادراك العالم ) .

الطفل من الناحية الأحيائية والنفسانية :-

صورة ذات صلة

يكفى أن نلم بسيرة بياجيه ، لكى ندرك أهمية ميوله الطبيعية ، وتأثير تكوينه كعالم أحيائى ، على أعماله الاحقة ، فهو أول رجل علم يطبق على علم النفس ، الذى كان لايزال مرتبطا بالفلسفة ، طرق الملاحظة والتنبويب التى استخدمها منذ ان كان يدرس الرخويات ، وقد فتح بياجيه امام علم النفس ، آفاق العلم التجريبى ، وهو علم التجربة والشك ، واكتشف فى الظواهر الفكرية لدى الطفل ، نفس الأتجاهات العملية التى مرت به ، فى أثناء مشاهدة العديدة فى عالم الرخويات ، وقد لاحظ أن الطفل يتكيف فوريا مع المواقف الجديدة ، وغير المتوقعة ، الناتجة عن الوسط المحيط به ، تماما كما يتصرف الحيوان عند وجود جسم خارجى ، فيتآلف معه ، أو ينفر منه ، وقد أصبحت هذه الملاحظة من المفاهيم الأساسية .

نظرية التكيف :-

الواقع أن مفهوم التكيف ، ينطبق على الوسط الأحيائى الذى ينبع منه ، بقدر ماينطبق على نفسية الطفل ، فالرجل الذى يأكل تفاحة ، انما هو يتقبلها ، بتشبيهها بما هو فى حاجة اليه ، والأنسان عندما يأكل ، فأنه يستخدم أصابعه ، أو سكينا ، أو ملعقة ، تبعا لنوع الطعام الذى يأكله ، وفى المستوى النفسانى ، ينطبق نفس المبدأ على الطفل الصغير ، الذى يتناول شيئا ما ، ثم ينظر اليه ، ويمصه أو يلقى به ، فهو يضفى معنى خاصا على ذلك الشىء ، فيصبح مما يمكن مصه ، أو هزه ، أو القاؤه ، أنه يكيف الشىء ، وهكذا ، فأن الحياة العضوية ، مثلها كمثل الحياة العقلية ، تميل الى تكييف العالم وتملكه .

تطور الذكاء :-

ان هذا السلوك المدهش ، الذى يبديه الطفل فى مواجهة العالم الذى يحيط به ، دفع بياجيه للأهتمام بالمراحل المتتالية لهذا التكيف ، ابتداء من الأفعال البسيطة للغاية ، الى التفكير بالغ التعقيد ، ولايبقى بعد ذلك الا ابراز الخطوط العريضة لتطور الذكاء ، ان هذا الذكاء ينمو ، وهو مرتبط ارتباطا وثيقا  بكل الوسط الذى يحيط بالطفل ، وهو يبدأ بما يستطيع أن يلمسه ، ثم بما يراه ، وأخيرا ما يحبه ، حتى لو كان الشىء المحبوب غائبا .

وواضح أن بياجيه ، قد زعزع آراء مدارس علم النفس القديمة ، التى لم تكن ترى فى سلوك الطفل ، سوى عمل انعكاسى ، أو مجرد استجابة لنزوة ، غير أن الأمر ينطوى على ما هو أكثر من ذلك ، فهناك فعل داخلى ، هو التبادل الذى يحدث بين الطفل والشىء ، ان الطفل الصغير ، يأخذ فى شغل مكانه فى العالم الذى يحيط به ، وبشكل تدريجى ، ويبدأ بأن يتميز بدرجة من الذكاء تحدد شخصيته ، فى حين أن انعكاساته ، ليست سوى تعزيز لأنتمائه الى الجنس البشرى ، وهذا الذكاء ، وهو أشبه بمولد جديد ، ينمو على أربع مراحل .

مرحلة الأحساس والحركة :-

يتعلم الطفل منذ سن مولده والى سن الثانية ، كيف يتعرف على العالم ، عن طريق حواسه ، وبعض الحركات التى منها الأمساك بالشىء ، وهو يعيش فى عالم من الصور والأصوات ، تتوالى دون أن ترتبط بأدراك زمنى ، والأشياء لايعود لها وجود ، بمجرد اختفائها عن نظره ، وشيئا فشيئا ، يتعلم الطفل كيف يعثر على نفس الأشياء ، فى نفس المكان ، ثم يتعرف عاليها فى مكان اخر ، وفى تجارب النمو المقارن بين الشمبانزى وطفل صغير ، تتميز هذه الفترة بقدرة على التكيف عند القرد ، بهذا النضج المبكر ، يبدو أنه وصل الى ذروته فى تلك الفترة ، وقبل أن تبدأ المرحلة الثانية ، يكون الطفل قد وصل الى مستوى القرد الكبير ويتعداها .

المرحلة السابقة على المرحلة العملية :-

يأخذ الطفل بعد ذلك فى النمو الى سن السابعة ، وهو يواجه مواقف جديدة ، وهو يستجيب دائما لأحساساته ، حتى لو كانت هذه الأحساسات تخدعه ، مثال ذلك ، أن الطفل الصغير ، لايستطيع أن يدرك أن صفين بكل منهما ثلاثة أزرار ، يعادلان ثلاثة صفوف بكل منهما زراران ، كما أنه لايدرك أن حجما ما من الماء ، يظل ثابتا اذا تغير شكل الأناء الذى يحتويه ، انه لم يألف بعد ثبات كمية المادة ، اذا تغيرت اشكالها ، وهى الفكرة التى تثبتها تجربة كرة الصلصال المشهورة ، فعندما نعرض على الطفل كرتين من الصلصال ، لهما نفس الحجم ، فانه يعترف بأن كل كرة بها من الصلصال كمية متساوية لما بالكرة الثانية ، ولكن عندما أطال احدى الكرتين ، فأنه يجد أنها اصبحت أكبر حجما ، كما أنه يجيب بنفس الجواب ، اذا ما جزأنا احدى الكرتين ، فهو عندما يرى عددا أكبر من الأجزاء ، يتجه تفكيره الى كمية أكبر من المادة ، ان طفلا فى السابعة من عمره ، يعلم جيدا أن شيئا ما لم ينقص ، وبما أننا لم نضف اليها شيئا جديدا ، فأنه يستنتج أن الكمية الباقية من الصلصال فى كلتا الكرتين واحدة ، انه يدرك أن كل تحول يمكن معادلته بتحول مضاد .

المرحلة العملية :-

وفيما بين السابعة والحادية عشر ، يظل الطفل فى مرحلة العمليات الملموسة ، انه يقف على عتبة التفكير المنطقى ، ويتعود تدريجيا على التفكير فى شىء غير موجود أمامه ، تاركا عالم الأحساس بالنظر واللمس ، لقد أصبح يفهم تماما الأختبارين السابقين ، وهو يعيدهما على أخيه الأصغر ، بدافع من التسلية ، وابتداء من سن الحادية عشر ، يستطيع تبسيط العمليات التى يجب عليه اجراؤها ، انه يتكهن بنتائجها الأكثر تعقيدا ويتوقعها ، وشيئا فشيئا ، يكف عن التفكير فى العملية نفسها ، وهذه هى مرحلة العمليات الشكلية .

أهمية بالغة :-

كان تنوع  وأهمية الأعمال التى قام بها بياجيه ، سببا فى تغير الأوضاع فى عالم الطفل تغييرا جذريا ، ومنذ ذلك الحين ، أصبح بأستطاعتنا أن نعرف كيف نثير اهتمام الطفل ، فالكتب المبسطة ، والدراسات التربوية ، تستخدم فى كل قسم من أقسامها ، اختبارات الأستاذ بياجية ، وأصبح باستطاعة الآباء أنفسهم ، أن يتابعوا النمو العقلى لأطفالهم ، ويراقبوه ، ويلاحظوا لتوهم ، أدنى تباطوء قد يعتريه ، وليس الأطفال وحدهم هم الذين أدوا الى تعميم أعمال بياجية ، ففى كل يوم تطالعنا بعض الأختبارات التى قدمها ، وقد تحولت الى ألعاب ، وأصبحت من أهم مايجتذب اليه الأطفال فى مجلاتهم ، وصحفهم ، ولعبهم ، ومن بين هذه اللعب ، لعبة تهدف الى التعرف على الأجسام المتساوية ، وعندما تتخذ أشكالا مختلفة ، مثل المكعبات والكور ، والواقع أن بياجيه قد أضفى على علم النفس شعبية غير عادية .

ان هذا التغير الذى لحق بعلم النفس ، لم يقتصر فى الواقع على تحريره من سيطرة ماوراء الطبيعة ، بل هيأ له مجالات جديدة ، كمجال التجربة الأحصائية ، ومجال الذكاء البشرى ، لم يعد هناك شىء مستحيل ، وأخذت آخر الحواجز ، التى كانت تحول دون علم النفس والأدراك الحقيقى لطبيعة المادة البشرية ، تختفى الواحد بعد الآخر ، واذا كان لايزال من المتعذر ، أن نؤكد أن المخ البشرى أصبح مكشوفا أمامنا بكل خباياه ، الا أن أحدا لايستطيع ابتكار فائدة هذه الأبحاث ، التى تكشف لنا يوميا عن آليات جديدة لأرادتنا ، كان عالم النفس ، فيما مضى ، يعتكف فى مكتبته ، ولكنه اليوم يقضى وقته فى معمله ، حيث يحاول ، مستخدما المجهر ، أن يتفهم طبيعة الأنسان ، كأنسان وكحيوان ، ومع ذلك ، أليس ذلك ضربا من الفلسفة ؟ أو ليس فى تلك التفرقة المعلنة بين طائفتين ، العلميين ، والأنسانيين ، دليلا على التردد فى مجال واحد من مجالات البحث الجوهرى .

أهم مؤلفات جان بياجيه Jean Piaget :-

1- شكل شفوى للمقارنة عند الطفل 1921 م .

2- اللغة والفكر عند الطفل 1923 م .

3- الحكم والأدراك المنطقى لدى الطفل 1925 م .

4- تصور العالم لدى الطفل 1926 م .

5- نشأة الرمز 1945 م .

6- علم النفس والذكاء 1947 م .

7- مدخل الى فلسفة المعرفة والمنطق الوراثيين 1950 م .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً