الدولة العباسية ، تاريخ الدولة العباسية مميزات وعيوب

اتفق جمهور المؤرخين ، على تقسيم الدولة العباسية الى عصرين متميزين ، العصر العباسى الأول ، وهو مايعبرون عنه بالعصر الزاهى ، ويمتد من نشأة الدولة سنة 132 هجري ، الى آخر أيام الخليفة الواثق سنة 232 هجرى ، الذى انتهى بموته العصر الذهبى للدولة العباسية .

Abbasid Flag.png

والعصر الثانى ، ويعبرون عنه بعصر التدهور والانحلال ، الذى ابتدأ بخلافة الخليفة المتوكل على الله سنة 232 هجرى ، وانتهى بسقوط الدولة العباسية على أيدى التتار سنة 656 هجرى ، وقد امتاز العباسيون بأستخدام الأعاجم ، بدلا من العصبية العربية التى اعتمدت عليها الدولة الأموية اعتمادا كليا ، واحتاج العباسيون فى اصطناعهم أو استخدام الأعاجم الى المال ، وانخرطوا هم فى سلكهم بواسطة الأمهات ، ثم أصبح الأعاجم من الفرس ، والترك ، والديلم ، والفراعنة ، وغيرهم ، يتسابقون الى الاستئثار بالنفوذ عن طريق المال ، حكمت الدولة العباسية زهاء خمسة قرون ، ساست فيها العالم ، وفى ذلك يقول الفخرى صاحب الآداب السلطانية ( واعلم ان هذه الدولة من كبار الدول ، ساست العالم سياسة ممزوجة بالدين والملك ، فكان أخيار الناس وصلحاؤها يطيعونها تدينا ، والباقون يطيعونها رهبة أو رغبة ) ويضيف فيقول ( انها كانت دولة كثيرة المحاسن ، جمة المكارم ، أسواق العلوم فيها قائمة ، وبضائع الآداب فيها نافقة ، وشعائر الدين فيها معظمه ، والخيرات فيها دارة ، والدنيا عامرة ، والحرمات مرعية ، والثغور محصنه ، ومازالت على ذلك حتى أواخرها ، فأنتشر الجبر ، واضراب الأمور ، وانتقلت الدولة .

أبو العباس السفاح :-

نتيجة بحث الصور عن أبو العباس السفاح :-

هو أول من جلس على عرش الدولة العباسية سنة 132 هجرى ، وفى يوم الجمعة ، أقام أبو العباس الخطبة على المنبر قائما ، وكان بنو أمية يخطبون قعودا ، فحياه الناس ، وقالوا احييت السنة ياابن عم رسول الله صل الله عليه وسلم ، وختم خطبته بقوله ، انا السفاح المبيح ، والثائر المبيد ، ومن ثم عرف بالسفاح ، وقد قضى السفاح معظم عهده فى محاربة قواد العرب الذين ناصروا الدولة الأموية ، وقضى على أعقاب الأمويين ، حتى أنه لم يفلت منهم الا عبد الرحمن الداخل ، الذى أسس الدولة الأموية فى الأندلس ، كذلك وجه السفاح همته الى الفتك بمن والوه وساعدوه على تأسيس دولته ، فقتل ابا سلمة الخلال ، وهم بقتل أبى مسلم ، لولا ان عاجلته منيته ، وكان أبو العباس السفاح ، جميلا ، وسيما ، كريما ، حليما ، وقورا ، عاقلا ، كاملا ، سخيا ، كثير الجباء ، حسن الأخلاق ، وقد بقى السفاح فى الخلافة أربع سنين وتسعة أشهر ، ومات بالجدرى فى مدينة الأنبار ، التى اتخذها قاعدة لخلافته سنة 136 هجرى ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة .

خلفاء العصر العباسى الأول :-

يعد أبو جعفر المنصور ، المؤسس الحقيقى للدولة العباسية ، لأنه أحكم الرابطة بين القوة الزمنية والسلطة الدينية ، ومن أهم أعماله ، بناء بغداد ، وتحصين الحدود التى بينه وبين الروم ، واتخذ خالد بن برمك وزيرا له ، فبدأت عظمة البرامكة ، الذين قاموا بأعباء الوزارة فى صدر الدولة العباسية ، وكانوا من أكبر دعائم التقدم والرقى ، وكان المنصور يشرف على أعمال الدولة بنفسه ، ويستعرض الجند ، ويفتش الحصون ، ويراجع الدخل والمنصرف ، ويحاسب عماله حسابا دقيقا ، ولما أنهكت الأعمال صحته ، قصد مكة ليقضى فيها بقية حياته ، فمات على بضع ساعات منها ، وذلك فى ذى الحجة سنة 158 هجرى .

تولى المهدى الخلافة ، وقد رسخت قد الدولة ، وثبتت دعائمها ، وسكن الناس الى حكمها ، وكان المهدى كريما رحيما ، فعزم على محو كل اساءة اقترفها المنصور ، فعفا عن المسجونين السياسيين ، ورد الى بنى هاشم ماكان والده قد أخذه منهم ، ووسع المدارس ، وزاد فى عددها ، كما وسع الحرم النبوى بالمدينة المنورة ، وأنشأ القصور على الطريق من بغداد الى مكة ، وسعى فى توفير الماء على طول هذا الطريق ، كذلك رتب البريد بين مكة والمدينة ، وكان يعاصر المهدى فى غرب أوروبا ، شارلمان ، فصادقه ، واستمرت المودة بين الدولتين الى زمن الرشيد ، أما الدولة الرومانية الشرقية ، فكان العداء مستحكما بين المهدى وبينها ، فقامت الحرب بينهما ، برا وبحرا ، وانتهى الأمر بأن تقدم المهدى وابنه هارون الى البسفور ، فصالحته الملكة ايرينى ، على دفع جزية سنوية ، وجاء بعد المهدى ابنه موسى الهادى سنة 169 هجرى ، فلم يعمر أكثر من أربعة عشر شهرا ، وقد حاول أن يخلع أخاه الرشيد من ولاية العهد ، وينقلها الى ابنه جعفر ، وبينما هو يسعى لأتمام ذلك ، عاجلته منيته سنة 170 هجرى .

هارون الرشيد :-

وبتولى الرشيد الخلافة ، بلغت الدولة العباسية غاية قوتها ، وتجلى عصرها الذهبى فى أسمى مظاهره ، فلم يكن على وجه الأرض دولة تضارعها فى عظمة السلطان ، وضخامة الثروة ، ونشر العلوم والآداب ، وشيوع النعيم والترف ، واستتاب الأمن ، ويعد الرشيد من أكبر حكام العالم ، فقد كان متمسكا بدينه ، تقيا ، محسنا ، محبا مع هذا لمظاهر العظمة ، ماهرا فى قيادة الجيوش ، ومن أجل هذا كان أبوه يؤثره على أخيه الهادى ، وكان كثير التجول فى أملاكه ، بقصد القضاء على الفوضى ، وتوطيد الأمن والتعرف على أحوال الرعية ، فسارت الطرق سابلة بالأمن ، وتقلب فيها التجار والحجاج والعلماء من أقصاها الى أقصاها ، وقد شيد الرشيد من المساجد ، والمدارس ، والمستشفيات ، والقناطر ، والترع ، مايشهد له بالحرص على مصالح رعيته ، والعمل على راحتهم ، وفى عصره ، عظمت بغداد ، وكثرت فيها القصور الفخمة ، التى أبدع المهندسون تنسيقها ، وعظمت كذلك الرصافة المقابلة لها على الشاطىء الشرقى لنهر دجلة ، وذلك بفضل ما أنشأه البرامكة من قصور ، ومساجد ، وحمامات ، وفى عهده ، اتسع عمران العاصمة ، حتى بلغ سكانها مليونى نفس ، وصارت ملتقى التجارة بين الهند ، والصين ، والشام ، والجزيرة ، وبحر المشرق ، وقد زاد تبعا لذلك خراج الدولة ، فأخذ يغدق الخليفة ووزراؤه جزءا ليس باليسير على الشعراء ، والعلماء ، والكتاب ، والمحتاجين ، وينفق هؤلاء عن سعة ، فتروج التجارة ، ويكثر التأنق فى المعيشة ، ويبلغ الترف مبلغه الذى سارت به الأمثال فى أنحاء المعمورة ، ولم ينقطع تغنى الشعراء به من عرب وفرنجة الى وقتنا هذا .

وعهد هارون لأبنائه الأمين ، ثم المأمون ، ثم القاسم ، وأخذ عليهم العهود بألا يحاول أحد منهم تغير هذا الترتيب ، ثم مات الرشيد بعد أن حكم ثلاثا وعشرين سنة ، بلغت فيها شهرته مبلغا لم يبلغه خليفة قبله ، حتى اتصل بأمبراطور الصين ، وتبادل شارلمان معه الهدايا ، فأرسل الى الرشيد هدايا كثيرة ، تشهد بما كانت عليه الدولة من الثروة والتقدم ، ولاسيما الساعة المائية التى دهش لها أهل أوروبا ، وحسبوها سحرا ، وهم بعض رجال شارلمان بكسرها ، لولا أن منعهم الأمبراطور .

تولى الأمين الخلافة بعد أبيه سنة 193 هجرى ، وكان ضعيفا مسرفا ، مغرما بالبذخ والترف ، فنفدت أموال الدولة ، وأغراه وزيره الفضل بن الربيع بخلع أخويه ، والعهد الى أبنائه دونهما ، وأرسل جيشا يأتيه بالمأمون ، فانهزم عند الرى ، فأعلن المأمون نفسه خليفة ، وقبلته فارس بأجمعها ، وحاصر بغداد ، فتهدم جزء كبير منها ، ثم وافق الأمين على أن يسلم نفسه لأخيه ، ولكن بعض الجنود الفارسية قتلته فى الطريق ، فحزن المأمون ، وأكرم أبناء أخيه ، وزوجهم من بناته .

وكان المأمون مولعا بالعلوم والفلسفة ، فكان ذلك العصر أرقى عهود العلم أيام العباسيين ، ظهر فيه علماء فطاحل من أهل الحديث ، وعلماء الكلام ، جعل لهم المأمون مجالس للمناظرة ، وبلغ من تسامح المأمون أن الشيعة كانوا يفضلون العلويين على العباسيين فى حضرته ، فلا يتعرض لهم ، وكانت الترجمة عن الفرس واليونان قد بدأت من قبل ، وبخاصة فى الطب ، فنقلت عن اليونانية أيام المنصور ، كتب أبقراط وجالينوس فى الطب ، وترجم ابن المقفع كليلة ودمنة من البهلوية ، وترجم المجسطى لبطليموس ، فلما كان عصر الرشيد ، وتوغل فى آسيا الصغرى الى أنقرة وعمورية ، عثر على كنز ثمين من علوم اليونان ، فحملت الكتب الى بغداد ، وترجمت برعايته ، وتشجيع البرامكة ، فنشأ المأمون متشبعا بتلك العلوم ، مقتنعا بفائدتها ، فنشطت حركة الترجمة نشاطا كبيرا ، بفضل تعظيمه للعلماء ، وما كان يغدقه عليهم من الأرزاق ، وكان للمأمون شغف خاص بأرستطاليس ، فأرسل فى طلب كتبه جماعة الى القسطنطينيه ، ممن يعرفون اليونانيه ، فيهم صاحب  ” بيت الحكمه ” . وقد اصلح علماء العرب اخطاء اليونان ، وشرع بعضهم يضع مؤلفات جديده ، منهم يعقوب بن اسحق الكندى ، فراجت علوم الاقدمين ، واشتغا بها المتعلمون فى بغداد وغيرها من حواضر الاسلام . وكان المامون حامل لواء هذه العلوم ، وسبب تلك النهضه الكبرى . 

وكان المامون حاضر البديهه ، سريع الجواب ، كما آثر عنه كثير من الأقوال التى أصبحت أقرب الى الحكم ، من ذلك قوله ( الناس ثلاثة : فمنهم مثل الغذاء لابد منه على كل حال ، ومنهم كالدواء يحتاج اليه فى حال المرض ، ومنهم مالداء مكروه على كل حال ) وقد توفى المأمون فى آخر غزواته ببلاد الدولة البيزنطية سنة 218 هجرى ، فقد أصابته الحمى وهو فى شمالى مدينة طوس ، وكان قد أوصى بالخلافة من بعده الى أخيه المعتصم ، وقد أوصى المأمون أخاه المعتصم وصية جاء فيها ( يا أبا اسحق ، ادن منى ، واتعظ بما ترى ، وخذ بسيرة أخيك فى القرآن ، واعمل فى الخلافة اذا طوقكها الله عمل المريد لله ، الخائف من عذابه وعقابه ، ولاتغتر بالله ومهلته ، فكأن قد نزل بك الموت ، ولا تغفل امر الرعية ، الرعية ، والعوام ، العوام ، فان الملك ، الملك بهم ، وبتعهدك المسلمين والمنفعة لهم ، الله ، الله فيهم ، وفى غيرهم من المسلمين ) .

استخدام الترك فى الجيش :-

لما تولى الخليفة المعتصم أراد أن يكبح جماح جيوشه ، فكون جيشا جديدا من الأتراك يقودهم ضباط من بينهم ، تحت امرة الخليفة مباشرة ، ولما ضاقت بهم بغداد ، انتقل المعتصم وجيشه الى مدينة ( سر من رأى ) أو ( سامرا ) التى اصبحت حاضرة خلافته الجديدة ، وتقع سامرا شرقى دجلة ، على بعد ستين ميلا شمال بغداد ، وسرعان ماصار لهؤلاء الأتراك من القوة ، حتى أصبح بيدهم عزل الخلفاء وتعيينهم .

ولما تولى الواثق بالله الخلافة سنة 227 هجرى ، بعد أبيه المعتصم ، تمم خطته ، وزاد نفوذ الأتراك ، وأهمل الجيوش العربية والفارسية ، وعين أشناس التركى سلطانا للدولة ، يقوم بأدارتها بأسم الخليفة ، وكان الواثق مغرما بالعلوم ، والآداب ، والموسيقى ، مشجعا للزراعة والصناعة .

العصر العباسى الثانى :-

وبموت الواثق سنة 232 هجرى ، انقضى عهد عظمة العباسيين ، اذ لم يخلفه الا رجال يرتقون الخلافة ، ولا حول ولاقوة لهم ، ويموتون غير مأسوف عليهم ، يوليهم الأتراك أو الفرس ذوو النفوذ فى الجيش ، ويعزلونهم ، أو يقتلونهم متى أرادوا ، على أن اسم الخلافة العباسية استمر ببغداد حتى ( 656 هجرى – سنة 1258 هجرى ) ، حين أغار عليها هولاكو التتارى ، وقتل المستعصم آخر خليفة عباسى فى بغداد ، فأنقضت بذلك الدولة العباسية فى تلك الارجاء ، أما أسباب سقوط الدولة العباسية فكثيرة نجملها فى الأسباب الآتية :

1- تفوق العناصر غير العربية :-

كان الأمويون يعتمدون على العرب ، ويولونهم المناصب السامية كلها ، مما أثار حفيظة الموالى من الفرس ، فعملوا على القضاء على دولتهم ، علهم يستردون شيئا من سابق نفوذهم وسلطانهم القديم ، فأخذوا ينشرون الدعوة لبنى العباس ، وتمكنوا فى النهاية من انتزاع الخلافة من الأمويين ، فجاءت دولة العباسيين فارسية الصبغة من أول أمرها ، وقد عمل الفرس على اقصاء العصبية العربية عن الخلفاء ، بدعوى أن العرب يطمحون الى الخلافة ، فأصبح الفرس يحكمون الدولة ، كما نرى ذلك ممثلا فى سطوة البرامكة ، ولما خشى المعتصم مغبة الأمر ، استكثر من مماليك الأتراك ، وأتخذ منهم جندا ، استعان بهم على الفرس والعرب معا ، ولم يكن الفرس ولا الأتراك يخلصون للعباسيين خاصة ، ولا للأسلام عامة ، بل كانت لهم نزعات سياسية ودينية ، من شأنها اضعاف الدولة العباسية .

ولما عظم بأس الترك ، استطاعوا التصرف فى الدولة ، و أصبحوا يسجنون الخلفاء ، ويسملون عيونهم ، ويعزلون من لايرضيهم ، ويولون من يريدون ، ثم طمع كل جيش فى اعادة أيام عزه ، وعصر استقلاله .

2- سوء الحالة الأقتصادية :-

بعد أن وطد خلفاء العصر العباسى الأول أركان الملك ، جاء من بعدهم خلف أخلد الى الدعة ، وأمعن فى الترف ، وجر ذلك الى كثرة النفقات ، وزيادة الضرائب والمكوس ، فانحطت موارد الثروة ، وقل ايراد الحكومة ، وضعفت بالتالى شوكتها فى تحصيلها .

3- ظهور الدويلات المستقلة :-

تمكن العلويون من اقتطاع أجزاء من الدولة العباسية ، أصبحت مستقلة عنها ، وذلك نتيجة للمنافسة القوية لخلفاء بنى العباس ، ومنازعتهم بالقوة والسلاح ، ومن ذلك دولة الأدارسة بالمغرب ، والدولة الفاطمية التى امتدت من المحيط الأطلنطى الى اليمن والحجاز ، ودولة بنى بوية ، وهى من غلاة الشيعة ، وكانت لها السيطرة على بغداد ، وبقية أجزاء الدولة العباسية ، يضاف الى ذلك اتساع رقعة الدولة ، وما جرى عليه بعض العباسيين ، من اقطاع النواحى القاصية لأعوانهم ، مكافئة لهم على خدماتهم ، وما كان من استقلال هؤلاء الأعوان .

4- تعدد الأجناس والمذاهب :-

لم يكن تعدد الأجناس ، وظهور مذاهب دينية معروفا أيام الأمويين ، بل سرت الى الأسلام فى العصر العباسى ، من الديانات القديمة ، من مجوسية ، ويهودية ، ونصرانية ، أدت الى كثرة الملل والنحل ، وأذكت نار العداوة بين المسلمين ، فأصبح بأسهم بينهم شديدا ، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً