المماليك دولة وتاريخ ، دولة المماليك البحرية

بلغ من ازدياد نفوذ المماليك السياسى فى نهاية الدولة الأيوبية ، أنهم دبروا مؤامرة مكنتهم من خلع العادل الثانى ، وتولية الصالح نجم الدين محله فى السلطنة ، وهكذا أحس السلطان الصالح نجم الدين ، بفضل المماليك عليه ، وأهميتهم له فى توطيد سلطانه ، فأكثر من شراء المماليك ، وعنى بهم عناية فائفة ، جعلت نفوذهم يقوى ويتضخم فى أواخر أيامه ، وفى ذلك يقول المؤرخ العينى ، أن الصالح نجم الدين الأيوبى ، جمع من المماليك الترك ، مالم يجمع غيره من أهل بيته ، حتى كان أكثر أمراء العسكر مماليكه ، ورتب جماعة من المماليك الترك حول دهاليزه ، وسماهم البحرية ، ولذلك اعتبرت دولة المماليك فى الواقع استمرار لدولة الأيوبيين .

أما عن تسمية المماليك بالبحر ، فالراجح أنها سميت بذلك ، نسبة الى بحر النيل ، حيث أن السلطان الصالح نجم الدين أختار لهم جزيرة الروضة وسط النيل ، لتكون مستقرا لهم .

السلطانة شجر الدر :-

يعتبر المقريزى شجر الدر ، أولى سلاطين دولة المماليك فى مصر ، كانت شجر الدر جارية السلطان الصالح نجم الدين أيوب ، وأم ولده خليل ، وكان الملك الصالح يحبها حبا عظيما ، ويعتمد عليها فى أموره ومهامه ، وكانت بديعة الجمال ، ذات رأى ، وتدبير ، ودهاء ، وعقل ، نالت من السعادة مالم ينله أحد فى زمانها ، ولما مات الملك الصالح فى سنة سبع وأربعين وستمائة ، وكانت الفرنجة تحارب بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا ، وأخفت موته ، وصارت تعلم بخطها مثل علامة الملك الصالح ، وتقول السلطانة ماهو طيب يعنى مريض ، وتمنع الناس من الدخول اليه ، وكان كبار رجال الدولة يحترمونها ، ولما علموا بموت السلطان ، ملكوها عليهم أياما ، وتسلطنت بعد قتل الملك المعظم توران شاه بن الصالح نجم الدين ، وخطب لها على المنابر ، وكان الخطباء يقولون على المنبر بعد الدعاء للخليفة ” وأحفظ أللهم الجهة الصالحية ملكة المسلمين ، عصمة الدنيا والدين ، أم خليل المستعصمية ، صاحبة السلطان الملك الصالح ” ، لكن الخليفة العباسى المستعصم فى بغداد ، لم يقر مبدأ قيام أمرأة فى حكم المسلمين ، فبعث من بغداد كتابا الى مصر ، عاب فيه على الأمراء موقفهم ، وقال لهم عبارته المشهورة ” ان كانت الرجال قد عدمت عندكم ، فأعلمونا حتى نسير اليكم رجالا ” ، وهكذا وجدت شجر الدر نفسها فى موقف لاتحسد عليه ، بعد أن أحاطت بها مظاهر الكره فى الداخل والخارج ، فقد صاحب قيامها فى الحكم ، تمزيق الوحدة بين مصر والشام ، وهى الوحدة التى ظلت قائمة ، بصورة أو بأخرى ، منذ أيام نور الدين ، وللخروج من ذلك المأزق ، خلعت شجر الدر نفسها من مملكة مصر ، ووافقت على الزواج من الأمير عز الدين أيبك ، أتابك العساكر ، على أن تترك له وظيفة السلطنة ، وبذلك أنتهى عهد شجر الدر ، بعد أن ظلت فى الحكم ثمانين يوما ، أثبتت فيها مهارة نادرة ، وكفاية ممتازة .

الملك المعز أيبك :-

هو السلطان الملك المعز عز الدين أيبك المعروف بالتركمانى ، أو ملوك دولة المماليك البحرية ، أصله من مماليك السلطان الصالح نجم الدين الأيوبى ، أشتراه فى حياة والده الملك الكامل محمد ، وتنقلت به الأحوال من وظيفة الى اخرى ، حتى وصل الى وظيفة جاشنكير ( أى ذواق طعام السلطان ) ، وأستمر فيها الى أن قتل توران شاه وملكت شجرة الدر بعده ، وقد أتفق أمراء المماليك على سطلنة المعز أيبك ، وسلطنوه بعد أن بقيت مصر مدة بلا سلطان ، وتشوف الى السلطنة عدة أمراء ، خيف شرهم ، فمال الناس الى أيبك ، فهو من أوسط الأمراء ، ولم يكن من أعيانهم ، غير أنه كان معروفا بالسداد ، وملازمة الصلاة ، ولايشرب الخمر ، كريم ، حليم ، واسع الصدر ، لين الجانب ، وتم أمره فى السلطنة ، وخطب له على المنابر ، ونودى فى القاهرة ومصر بسلطنته ، ومن الغريب أن أيبك الذى استطاع أن يتغلب على جميع ماواجهه من مشاكل متعددة ، فى الداخل والخارج ، جاءت نهايته على يد زوجه شجر الدر ، التى ذاقت السلطان ، عز عليها أن يخرج الأمر والنهى من يدها ، وقد زاد الطين بلة ، عندما أراد أيبك أن يتزوج عليها بنت الملك الرحيم صاحب الموصل ، وكانت شجر الدر شديدة الغيرة ، فعملت على قتله فى الحمام ، وأعانها على ذلك جماعة من الخدم ، وكان قتل المعز أيبك سنة 655 هجري .

الملك المظفر قطز :-

هو السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز ، ثالث ملوك دولة المماليك البحرية ، تولى بعد خلع ابن استاذه الملك المنصور على بن الملك المعز أيبك ، وذلك سنة 657 هجريا ، تولى ملك مصر ، وقد وصل التتار الى بلاد الشام ، وهجموا على حلب ، فأرسل له صاحبها الملك الناصر صلاح الدين يوسف ، يطلب منه النجدة على قتال التتار ، فجمع قطز القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم ، وكان بينهم القاضى عز الدين بن عبد السلام ، فقال ” انه اذا طرق العدو بلاد الاسلام ، وجب على العالم قتالهم ، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ماتستعينون به على جهادكم ، بشرط أن لايبقى فى بيت المال شىء ، وتبيعوا مالكم من الحوائص الذهبية ، والآلات النفيسة ، ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه ، ويتساووا هم والعامة ، أما التتار فقد أخذوا يستولون على مدينة بعد أخرى فى بلاد الشام ، حتى وصلوا الى بلد الخليل وغزة ، فقتلوا الرجال ، وسبو النساء والصبيان ، كل ذلك والسلطان قظز يتهيأ لقتالهم ، فلما أجتمعت العساكر الأسلامية بالديار المصرية ، خرج قطز لقتالهم ، بعد أن كانت القلوب فى حالة يأس من النصر على التتار ، وكان ذلك فى شهر رمضان ، فوصل الصالحية ، ومنها الى غزة ، ثم رحل قطز بعساكره من غزة ، ونزل الغور بعين جالوت ، حيث التقى مع التتار ، وتقاتلا قتالا شديدا ، لم ير مثله ، حتى قتلت من الطائفتين جماعة كبيرة ، فما كان من قطز الا ان باشر القتال بنفسه ، وأبلى بلاء حسنا ، حتى نصر الله الأسلام ، وأعزه ، وأنكسر التتار ، وولو الأدبار على أقبح وجه ، بعد أن قتل معظم أعيانهم ، كما قتل قائدهم كتبغا .

وكان الأمير بيبرس البندقدارى من أكبر قواد قطز الذين أبلوا بلاء حسنا ، وتتبع فلول التتار فى بلاد الشام ، حتى وصل حلب ، وكان السلطان قظز قد وعد الأمير بيبرس بحلب وأعمالها ، فلما أنتصر على التتار لم يوف بوعده ، وأعطاها لعلاء الدين صاحب الموصل ، فكان ذلك سبب الوحشة بين بيبرس وبين الملك قظز ، وانتهى الأمر بالتآمر عليه وقتله فى الصالحية ، وكان من بين المتآمرين ، الأمير بيبرس البندقدارى .

الملك الظاهر بيبرس البندقدارى :-

هو رابع ملوك دولة المماليك البحرية ، أصله تركى ، أخذ من بلاده ، وبيع بدمشق للعماد الصائغ ، ثم أشتراه الأمير علاء الدين أبدكين البندقراوى ، وبه سمى البندقراوى ، ومن سخرية القدر ، أن يصبح الأمير علاء الدين من جملة أمراء الظاهر بيبرس ، عندما أصبح سلطانا ، وبيبرس كلمة تركية معناها أمير فهد ، ثم أشترى الملك الصالح نجم الدين ، بيبرس وأعتقه ، وجعله من جملة مماليكه ، وقدمه على طائفة الجمدارية ، لما رأى من فطنته وذكائه ، وحضر مع أستاذه الملك الصالح واقعة دمياط ، وكان طبيعيا أن تؤول السلطنة بعد مقتل قطز ، الى قاتله الأمير ركن الدين بيبرس ، بوصفه أقوى الأمراء البحرية ، هذا فضلا عن مواقفه المعروفة فى حرب التتار .

وبتولى السلطان الظاهر بيبرس عرش مصر سنة 658 هجريا ، بدأت صفحة جديدة فى تاريخ مصر ، ذلك أن بيبرس أثبت بأعماله ، وأصلاحاته ، وحروبه ، أنه المؤسس الحقيقى لدولة المماليك البحرية فى مصر والشام ، ولم يلبث بيبرس أن وضع لنفسه سياسة واسعة الأفق ، استهدفت فى الخارج ضد أخطار المغول والصليبيين عن بلاد الشام ، ونشر نفوذه على شبه الجزيرة العربية ، وفى الداخل ، توطيد الامن ، والقضاء على الثوار المناوئين ، وقد عمل جاهدا على تخفيف الأعباء الملقاه على كاهل الأهالى ، كما وضع قواعد للنظام الأدارى فى مصر والشام ، فضلا عن القيام بقدر ضخم من الأصلاحات .

ومن الأعمال الهامة التى أقدم عليها السلطان الظاهر بيبرس ، مشروع احياء الخلافة العباسية فى مصر ، ومن الثابت ان العالم الأسلامى ، أخذ يحس بفراغ كبير بعد سقوط الخلافة العباسية فى بغداد ، على أيدى المغول سنة 656 هجريا ، اذ أمسى المسلمون بدون خليفة ، وهو أمر لم يعتادوه منذ وفاة الرسول صل الله عليه وأله وسلم ، ومهما قيل من أن بعض حكام المسلمين فى بلاد الشام ومصر ، قد فكروا فى أحياء الخلافة قبل بيبرس ، فأنها لم تنفذ الا على يديه ، ذلك أن الأمير علاء الدين البندقدارى نائب السلطان فى دمشق ، كتب اله يخبره بأن أحد أبناء بنى العباس ، وهو الأمير أبو القاسم أحمد بن الخليفة الظاهر حفيد المستضىء لدين الله العباسى ، وصل دمشق مع جماعة من عرب بنى مهنا ، يشهدون على صحة نسبه ، وأنه يريد أن يلحق بالسلطان بيبرس بالقاهرة ، فرد على الأمير البندقدارى بأمر بالقيام فى خدمته وتعظيم حرمته ، ولما وصل القاهرة ، قبل قاضى القضاة شهادة ثبوت النسب ، فتقدم بيبرس وبايعه ” على كتاب الله وسنة رسوله والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد فى سبيل الله وأخذ أموال الله بحقها وصرفها فى مستحقها ، ثم بايعه جميع الناس على مختلف طبقاتهم ، ولقب الخليفة الجديد بالقب المستنصر بالله ، ودعى له على المنابر ، ونقش اسمه مع اسم بيبرس على العملة ، وفى الوقت نفسه ، احتاط بيبرس لمنع ازدياد نفوذ الخليفة ، فراقبه مراقبة شديدة ، ولم يسمح له بالظهور فى المناسبات العامة ، وحد من حرية ونشاطه ، وأخيرا توفى السلطان بيبرس سمة 676 هجريا ، وهو فى الخمسين من عمره ، بعد أن حكم سبع عشرة سنة ، وكانت وفاته فى دمشق ، فدفن قرب داريا حسب وصيته .

الملك المنصور سيف الدين قلاوون :-

من المعروف أن المماليك لم يؤمنوا مطلقا بمبدأ الوراثة فى الملك ، فالأمراء جميعا سواء ، والملك للأقوى ، والأكثر اتباعا ، والأوفر ذكاء ، وربما حاول المماليك أن يظهروا قسطا من الوفاء للسلطان الراحل ، فيعينوا ابنه بعده سلطانا ، ولكن لاتلبث أن تنقشع الغيوم ، وتزول صدمة الموت ، وعندئذ يدرك كبار الأمراء ، أن ذلك الوضع غير طبيعى ، وأنهم لايقلون أحقية فى الملك عن السلطان الراحل ، أو ربما اشتد التنافس بين كبار الأمراء عقب موت السلطان ، فيقبلون حسما للنزاع ، تولية ابن السلطان الراحل ، ريثما تنكشف الأمور ، ويظهر بين الصفوف الرجل القوى ، ولم يحدث طوال القرنين ونصف القرن التى حكم فيها سلاطين المماليك مصر ، أن ظلت السلطنة فى بيت واحد مدة طويلة ، بأستثناء بيت قلاوون الذى حطم تلك القاعدة ، والذى يعتبر مثلا فريدا فى تاريخ المماليك لبقاء الحكم فى بيت واحد أكثر من قرن من 1279 الى 1382 ، أما عن السلطان قلاوون ، فأن أصله من جنس القبجان الذين استقروا حول حوض نهر الفلوجا فى جنوب روسيا الحالية ، جلب الى مصر وهو صغير ، واشتراه الأمير علاء الدين آق سنقر الساقى العادلى بالف دينار ، ثم أمتلكه الملك الصالح نجم الدين أيوب ، فجعله من جملة مماليكه البحرية ، وفى عهد السلطان العادل سلامش ابن الظاهر بيبرس ، رقى قلاوون الى وظيفة أتابك العساكر ، أى قائد عام الجيش ، وغدا اسمه يذكر مع اسم السلطان العادل على المنابر ، وتصرف تصرف الملوك كدة ثلاثة شهور ، ثم أختير سلطانا على مصر سنة تسع وسبعين وستمائة 1280 م ، وقد وضع قلاوون نصب عينه ، القضاء على المغول الذين احتلوا بلاد الشام ، ولذلك نجده يسارع بتعيين ولده عليا وليا للعهد ، حتى يتفرغ هو للسفر الى الشام لأخراج المغول منها .

الوظائف المملوكية :-

ولقد حرص قلاوون على العمل على ارضاء زملائه القدامى من أمراء المماليك ، فكان يعينهم فى وظائف الدولة ، بل لقد خلق لهم الكثير من الوظائف ، حتى يقتل فى نفوسهم دواعى الحقد عليه ، ومن هنا جائت كثرة الوظائف فى بلاط دولة المماليك ، ومن أهم تلك الوظائف ( الأستادار ) أى المشرف على البيوت السلطانية ، و ( الخازندار ) أى الذى يحفظ ما يجلبه ( الاستادار ) من المؤن والأقمشة ، ويصرف منها على قدر الحاجة ، و ( المهمندار ) الذى يستقبل السفراء وغيرهم من زوار السلطان ، ومن الوظائف المكتبية ، ( الدوادار ) اى الذى يتولى تبليغ الرسائل للسلطان ، ويقدم له الأوراق لأعتمادها والوقيع عليها ، وهناك وظائف أخرى لأغراض متعددة ، منها ( الجوكندار ) حامل عصى البولو أو الكرة ، و ( الجمدار ) المشرف على ملابس السلطان ، لأن كلمة جام فارسية ومعناها المرآة ، و ( البشمقدار ) متولى أمر أجذية السلطان ، و ( الجمقدار ) حامل الدبوس أمام السلطان ، و ( العلمدار ) متولى أمر أعلام السلطان ، و ( الجاشنكير ) متولى أعداد موائد السلطان ، و ( الشرابدار ) متولى الأشراف على شراب السلطان ، ولم تقتصر الوظائف بطبيعة الحال ، على الأعمال المدنية والمكتبية فحسب ، بل هناك وظائف عسكرية كذلك مثل ( البندقدار ) اى حامل سهام السلطان ، و ( السلاحدار ) وهو الذى يتولى أمر الأسلحة .

أولاد المنصور قلاوون :-

توفى الأمير على الذى كان والده قد ولاه ولاية العهد ، ثم عاد فأعلنه سلطانا بأسم علاء الدين ، فى حياة والده ، وكان المنطق يحتم أن يعهد قلاوون بولاية العهد الى ابنه الثانى خليل ، لكنه كان لايثق فيه ، ولايميل اليه ، ولايرضى عن تصرفاته الشخصية ، لذلك توفى المنصور قلاوون سنة 1290 م ، دون أن يوقع كتاب ولاية العهد ، ولما سمع الأشرف خليل بوفاة والده ، استدعى القاضى ابن عبد الظاهر ، صاحب ديوان الأنشاء ، وسأله اين تقليدى ؟ فأحضر القاضى التقليد ، وهو خلو من توقيع والده ، فقال أن السلطان امتنع عن أن يعطينى فأعطانى الله ، ولم يلبث أن أقسم الأمراء الايمان للسلطان الجديد الأشرف خليل بن قلاوون ، ومن سخرية الأقدار ، أن يصبح هذا الابن الذى رفض قلاوون أن يوقع تقليده ، بطلا من أبطال الحروب الصليبية ، فقد بدأ حياته فى السلطنة ، بالسير على رأس الجيش الذى كان قد أعده أبوه الى الشام ، وأرسل فى نفس الوقت ، الى كافة القوات الاسلامية فى المدن الشامية ، بمقابلته أمام عكا ، وفى مايو 1291 م اشتدت هجمات المسلمين بقيادة الأشرف خليل على عكا ، ولم يلبث أن وجد الصليبيون أنفسهم لاعاصم لهم ، فالمسلمون أمامهم والبحر خلفهم ، فهرعوا الى السفن فارين بأرواحهم ، ولكن السفن الباقية فى الميناء لم تكن كافية ، فغرق معظمها فى البحر ، بسبب ثقل حمولتها ، وهكذا ذالت دولة الصليبيين فى الشام ، وانتهى أمرهم الى حيث لارجعة ، وعادت بلاد الشام من قيليقية شمالا ، حتى غزة والحدود المصرية جنوبا ، لايقطنها الا ابناؤها الحقيقيون من العرب ، ولم تطل مدة حكم الأشرف خليل أكثر من ثلاث سنوات ، اذ قتلته بطانته من الأمراء ، وهو فى رحلة صيد ، وهكذا أصبح الطريق الى العرش أمام محمد بن قلاوون مفروشا بالورد ، ممهدا ، كما كانت الحال أمام أخيه خليل ، بل اعترضته عقبات ، وصعوبات ، ومؤامرات ، لاحصر لها ، مما لم يحدث لسلطان غيره ، حتى وصل الأمر به ، الى أنه خلع من السلطنة مرتين ، وتولى ثلاث مرات ، وقد تولى السلطنة فى فترات خلعه بعض أمراء أبيه وقتلة اخيه الأشرف خليل ، مثل السلطان العادل كتبغا ، والسلطان المنصور لاجين ، واخيرا السلطان بيبرس الجاشنكير .

على أن الناصر محمد بن قلاوون ، يتمتع بأهمية كبيرة فى دولة المماليك ، نظرا لطول حكمه ، ولما حدث فى عهده من تطورات هامة ، فضلا عن شخصيته التى جعلت الناس يتمسكون به ، ويرون فى بقائه تحقيقا للاستقرار والأمن والرخاء ، وبوفاة الناصر محمد سنة 1340 م ، دخلت المماليك مرحلة جديدة فى تاريخها ، يمكن تسميتها بعصر أبناء الناصر محمد أحفاده ، فقد بلغ عدد ابنائه الذى تولوا منصب السلطنة بعده ثمانية ، حكموا احدى وعشرين سنة ، وبذلك يكون متوسط حكم الواحد منهم عامين ونصف تقريبا ، مما يشهد بعدم الاستقرار فى البلاد ، ولعل ابرز أولاد الناصر محمد ، فى تاريخ دولة المماليك ، السلطان الناصر حسن ، الذى تولى السلطنة مرتين ، وقد أجمع المؤرخون على وصف السلطان حسن بالشجاعة ، والكرم ، والعقل ، فكان ” محبا للرعية وفيه لين جانب ، حمدت سائر خصاله ” ، كما أهتم بالعمارة ، وأنشأ كثيرا من المبانى الفاخرة ، لعل أعظمها مدرستة التى تعرف حاليا بأسم جامع السلطان حسن بميدان صلاح الدين بالقلعة .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً