ابن جامع المغنى العربى الشهير ، ابن جامع مغنى رقيق المشاعر والألحان

المغنى رقيق المشاعر ابن جامع

هو أبو القاسم اسماعيل بن جامع ، العربى القريشى حسبا ونسبا ، ولد بمكة ومات أبوه وهو صبى ، ربى تربية فقهية دينية تليق بأمثاله من أبناء البيوتات المجيدة من قريش ، ثم تزوجت أمه من سياط المغنى المشهور  ، فنشأ نشأة موسيقية حتى صار علما من أعلام الغناء والتلحين فى العصر العباسى ، وكان وافر التقوى ، كثير التعبد والصلوات ، يبدو فى أردية الفقهاء وأهل الورع.

ابن جامع وإبراهيم الموصلى :-

وقد عاصر بن جامع إبراهيم الموصلى ، وكان ينازعه المقام الفنى الرفيع البعيد المدى ، وقد حكم بينهما برصوم العازف بالناى ، حكم معاصر فنان يضع كلا منهما فى موضع لاينتقص فيه فضله ، قال حين سئل عنهما ( الموصلى بستان تجد فيه الحلو ، والحامض ، والطرى الذى لم ينضج ، فتأكل من هذا وذاك ، وابن جامع زق عسل ، إن فتحت فمه خرج عسل حلو ، وإن خرقت جنبه خرج عسل حلو ، وإن فتحت يده خرج عسل حلو ، كله جيد ) .

ونمى إلى الخليفة المهدى ( 775-785م ) أن ابن جامع وإبراهيم الموصلى يجلسان إلى ولده موسى الهادى فى مجلس شراب وغناء ، وكان قد حرم على ولده أمثال هذه المجالس وهو بين فتنتى الشباب والثروة ، فاستقدم هذين المغنيين ، وضرب الموصلى ضربا موجعا ، وأمر بحبسه ، أما ابن جامع فاسترحم الخليفة فرق له ، وأطلق سراحه وقال له قبحك الله ، أرجل من قريش يغنى .

ورحم الله المهدى ، إنه لم يكن يدرى وقتئذ أن ابنه إبراهيم وابنته عليه سيكونان من مفاخر أعلام الغناء العربى فى العصر كله ، وأن لهما فى حسن الصوت وجماله مالم يكن لغيرهما ، وإن لم يحترفا الغناء .

وغنى ابن جكامع يوما بحضرة الرشيد ، وجاء إبراهيم الموصلى بعد يوم يسأل الوزير جعفر عما كان لمجلسهما من الأثر ، فأخبر جعفر أن ابن جامع كان يغنيهما ، وكان يخرج فى غنائه عن الايقاع ، وكأنما حاول جعفر بهذا أن ينزل بقيمة ابن جامع قليلا لتطيب نفس الموصلى ، لما يعرفه بينهما من شديد المنافسة ، وهنا تتجلى روح الفن الصادق ، بل هنا تستيقظ أريحية الموصلى ونبله ، فينسى المنافسة ، ويذكر شيئا واحدا هو الحق الذى يعتقده فى زميله الفنان ، فيجيب جعفر ، وهو الوزير المطلق اليد النافذ الكلمة ، بذلك الجواب الحاسم فيقول ( أتريد أن تطيب نفسى بما لاتطيب به ، لا والله ، ماعطس أو سعل ابن جامع منذ ثلاثين سنة إلا بإيقاع ، فكيف يخرج اليوم منه ؟ ) .

لكل بيت مائة ألف درهم :-

وقلما سمعنا أن شاعرا أو مغنيا كوفىء عن كل بيت قصيدة غناها مكافأة خاصة ، كأن كل بيت قصر من الفن الخالد ، جدير بالتقدير والتحميد ، أرسلت زبيدة إلى الرشيد مرة تقول له ، يا أمير المؤمنين ، إنى لم أراك منذ ثلاثة أيام ، وهذا اليوم الرابع ، فأرسل إليها يقول ، عندى ابن جامع ، فأرسلت تقول ، أنت تعلم أنى لا أهنأ بشراب ولاسماع إلا أن تشاركنى فيه ، فما عليك أن أشاركك فى الذى أنت فيه ، فأرسل إليها إنى سائر إليك الساعة ، وسار إليها ومعه ابن جامع ، وجعله فى موضع يسمع منه ، ولايكون حاضرا معها ، ثم أمره أن يغنى فغنى أبياتا فى لحن نادر المثال ، فطربت زبيدة طربا بالغا ، وقالت لخادمها ادفع إلى ابن جامع لكل بيت مائة ألف درهم ، فقال الرشيد غلبتنا يابنت أبى الفضل ، وسبقتنا إلى بر ضيفنا .

رقيق الشعر والألحان :-

وكان ابن جامع يتخذ الرقيق من الشعر ، ليضع له أجمل الألحان ، وإنك لتقرأ هذه الأبيات الثلاثة فيشجيك منها نسجها ومعناها ، قبل أن تعرف شيئا عن لحنها ، وما أروع اللحن إذا كان الغناء لابن جامع :

فلو كان لى قلبان عشت بواحد

وخلفت قلبا فى هواك يعذب

ولكنما أحيا بقلب مروع

فلا العيش يصفو لى ولا الموت يقرب

تعلمت أسباب الرضى خوف سخطها

وعلمها حبى لها كيف تغضب

وكان من أحسن ألحان ابن جامع لحنا غناه تشببا بحبيبته ، وكانت سوداء اللون فقال :

أشبهك المسك وأشبهته

قائمة فى لونه قاعدة

لاشك إذ لونكما واحد

أنكما من طينة واحدة

وكان ابن جامع من أولئك العباقرة الذين يلتقطون الجوهرة حيثما وجدت ، لايبالون من أين ولا ممن ، مادامت هى الجوهرة ، فقد استمع إلى جارية سوداء تحمل قربتها ، فاشترى منها اللحن مرتين فى يومين متتالين ، دون أن يعنيه أنه هو ابن جامع مغنى الخلفاء ، وأنها الجارية التى تحمل قربة السقاء ، استمع ابن جامع يوما إلى أمة سوداء على ظهرها قربة وهى تغنى :

فردى مصاب القلب أنت قتلته

ولاتبعدى فيما تجشمت كلثما

إلى الله اشكو بخلها وسماحتى

لها عسل منى وتبذل علقما

فقصد ابن جامع إلى الجارية ، وحفظ منها اللحن نظير درهمين منحهما إياها ، ولكن ابن جامع أصبح من غد لايذكر شيئا من هذا اللحن ، وإذا هو بالسوداء قد طلعت وعلى ظهرها القربة ، ولكنها تغنى لحنا غير ذلك اللحن الذى يريده ، فمنحها درهمين أخرين ، وأخذ منها لحن الأمس مرة ثانية ، ثم كان ابن جامع عند الرشيد يوما فقال :

من غنانى فله ألف دينار ، فغنى القوم فلم يطرب الرشيد ، إلى أن غنى ابن جامع صوت الجارية السوداء ، فرمى الرشيد إليه بكيس فيه ألف دينار ، ثم قال له أعده ، فأعاده ، فرمى إليه بثان ، ثم أعاده ، فرمى إليه بثالث ، ثم برابع ، وتوفى ابن جامع حوالى عام 188 هجريا 803 م .

‫0 تعليق

اترك تعليقاً