لورينزو دي ميديشيLorenzo di Piero de Medici ، لورينزو الرائع

لورنزو الأفخم

ولد لورينزو دي ميديشيLorenzo di Piero de Medici عام 1449م ، وكانت أسرته أغنى أرباب المصارف فى فلورنسا Florence ، وكان أبوه بييرو دى ميديشي حاكما للمدينة ، ورغم أن كل إنسان كان يعرف أن لورنزو قد يغدو هو حاكم فلورنسا القادم ، فإن تنشئته كانت تماثل تنشئة أى صبى فلورنسى عادى ، ولم يكن لورنزو بالوسيم ، فقد كانت بشرته سمراء شاحبة ، وكان بأنفه كسر ، مما جرده من حاسة الشم ، وجعل صوته أجش حاد النبرات ، ولكن لورنزو ، من قبيل التعويض عن هذه العيوب ، كان موفور القوة ، مليئا بالحيوية والأقبال على الحياه ، مشوقا إلى الأهتمام بكل مايدور من حوله ، وكان يقضى أيام عطلاته بين ظهرانى آل ميديشى فى الريف ، وش وهو شغوف بالصيد بالصقور ، وركوب الخيل والقنص ، وكان على براعة شديدة فى جميع الألعاب الرياضية ، حتى إنه فاز بالجائزة الأولى للخوذة الفضية فى مبارة أقيمت فى فلونسا فى شهر فبراير 1469م للاحتفال بزواجه الوشيك .

حاكم فلونسا :-

توفى والد لورنزو فى ديسمبر عام 1469م وأصبح هو حاكما للمدينة ، يساعدة شقيقه الأصغر جوليانو Giuliano ، ولما كان بييرو دى ميديشى الأب معتل الصحة ، فإن لورنزو كان يساعده بكافة السبل ، ومن ثم درج وهو فى سن مبكرة على مناقشة المسائل السياسية وشئون المدينة ، وهكذا كان مهيأ تماما للقيام بواجبه ، رغم أنه لم يكن إلا فى العشرين من عمره حين خلف والده .

وقد كانت سياسة لورنزو تهدف إلى الانتقاص من نفوذ كبريات الأسر فى فلورنسا ، وكان يريد فى نفس الوقت مضاغفة قوته الذاتية بالسيطرة على حكومة المدينة ، حتى وإن تكن حكومة جمهورية ، ثم إنه كان يريد كذلك ، بقدر ماتتسع له قدرته ، أن يهيء السلم لفلورنسا ، حتى يتسنى للمدينة أن تظل فى رخاء ، وحتى يتأتى للفن والأدب الازدهار والانتعاش .

ومهما يكن من شىء ، فإن لورنزو لم يلبث فى عام 1472م أن اخل بهذا العزم ، وتفصيل ذلك أن أهل بلدة فولتيرا Volterra ، التى كانت تحت حكم فلورنسا ، اختلفوا مع الفلورنسيون بصدد الإشراف على بعض المناجم ، فعد لورنزو هذا بمثابة تمرد على سلطانه ، وأبى أن يدرس المسألة بروح السلم مع أبناء فولتيرا وبدلا من ذلك ، عمد إلى ارسال جنود من فلورنسا لحمل البلدة على طاعته ، ولم تلبث فلوتيرا أن خضعت لنذير القوة ، ولكن برغم هذا ، فإن الجنود عندما دخلوا فولتيرا قاموا بنهب البلدة ، وهكذا أبدى لورنزو أنه يطلب الطاعة عند رعاياه ، وأن فى مقدوره أن يكون فعالا وحاسما إذا اقتضت الظروف ذلك ، بيد أن أهل فولتيرا انطوت قلوبهم دائما على كراهيته لما فعل بهم ، وظلوا يتحينون كل فرصة للإضرار به .

وكان حتما على لورنزو أن يتعلم أن أفضل سبيل لأداء العمل هو سبيل الحسنى والسلم ، والتوسل بالإقناع والمحاجة كلما كان ذلك ميسورا ، إن لورنزو نهج فى حكم فلورنسا ، مثل أبيه وجده من قبل ، لامنهج الطغيان والعسف ، بل منهل الفطانة واللباقة ، ولكن هذا الدرس لم يكن ليستوعب جملة واحده ، ثم إن لورنزو كان حاد الطبع سريع الغضب ، مندفعا إلى أخذ الثأر والأنتقام ، وكثيرا ما آتى بأفعال دون أن يتدبر صوابها أو مجانبتها لأسباب الحكمة .

وخير مثل على ذلك هو شجاره مع البابا عام 1474م ، ذلك الشجار الذى زج به فى حرب طويلة كانت مجلبة للضرر على فلورنسا ، وشجعت على قيام مؤامرة ضده فى المدينة ، ولقد عمد لورنزو فى هذا إلى التحالف مع دوقية ميلانو Duchy of Milan وجمهورية البندقية Republic of Venice مؤملا فى مساعدتهما له ضد البابا ، صحيح أن لورنزو أبان بهذا أنه سياسى بارع ، لأن الأثنين كانتا أقوى الدويلات فى إيطاليا ، أما فى الحقيقة والواقع فإنهما عندما بدأت الحرب ، عجزتا عن مساعدته بالقدر الذى كان يتوقعه ، وهكذا عقد لورنزو الصلح بعد عامين ، ولم تكن الحرب ذاتها مرغوبة من جانب فلورنسا لأنها كانت ذات تكالبف وأعباء ، وقد القى بعدها على لورنزو باللوم الكثير .

لورنز وصانع السلام :-

لم يحاول لورنزو أن يستغل شعبيته فى فلورنسا ، لكى يصبح حاكما مستبدا ، فقد أبقى على مجلس الكبار فى المدينة Council of Elders ، الذى كان مؤلفا من رجال ذوى حكمة وتجربة ، وبهذه الكيفية فإنه أقر السلام فى فلورنسا ، وقد أصبحت تحت حكمه واحدة من أجمل المدن فى إيطاليا ، تزدان بالأنبية الفخمة البديعة ، وتمرح بحفلاتها وأعيادها .

كما انه حافظ على العلاقات الطيبة بين مختلف الدويلات فى إيطاليا ، وقد أكسبه هذا وحده شهرة فى التاريخ الأيطالى ، بل إن إيطاليا نعمت بفضله بما يقرب من عشرين سنة من السلام والرفاهية ، وأصبح لورنزو بسبب حكمته السياسية ملقبا بإسم حامى التوازن بين الدول ، ويبين هذا اللقب براعته فى الحفاظ على التوازن بين الدويلات الإيطالية .

الشاعر :-

لم يكن لورنزو سياسيا بارعا وحسب ، إذ كان له كذلك اهتمام بكل ما يمت إلى الفن والأدب ، وكان قصره مفتوحا على الدوام للفنانين والكتاب ، وكثيرون منهم ، وبينهم مايكل أنجلو Michelangelo المثال ، كانو يتخذون من القصر مقرا لهم ، يعيشون فيه ، ويطعمون من موائده ، وكان يسمح للعلماء بإستعارة الكتب من مكتبته ، وكانو يعدون بين أصدقائه ، ولم يقتصر سعى لورنزو على مساعدة الآخرين وتشجيعهم ، بل كان هو نفسه يدبج الشعر الذى لايزال حتى اليوم مناط الإعجاب ، وقد توفى لورنزو عام 1492م ولم يتجاوز من العمر الرابعة والأربعين ، وبسبب مناقبه الجمة ، وسجاياه العديده ، فهو يستحق عن جدارة لقب الأفخم الذى أسبغ عليه .

مؤامرة أسرة بازى :-

كان بين الأسر القوية بمدينة فلورنسا فى ذلك العهد ، أسرة تعرف بإسم بازى Pazzi ، وكانت هذه الأسرة تكره أسرة دى ميديشى ، حسدا منها لما كانت عليه الأسرة من الثراء وقوة الشأن ، وقد انتهزت أسرة بازى فرصة الشجار الذى نشب بين لورنزو وبين البابا لتدبير مؤامرة ضده ، بقصد إبعاده وأسرته عن كل نفوذ وقوة ، وقد انضمت أسرة بازى إلى أبناء أخوة البابا ، وإلى أسقف بيزا Pisa ، وإلى أناس أخرين كانو يكرهون لورنزو ، وعقدوا العزم على قتله مع شقيقه جوليانو أثناء القداس الكبير High Mass فى كاتدرائية فلورنسا يوم الأحد الموافق 28 من شهر أبريل عام 1478م .

وفى اللحظات الى كان فيها القداس فى أوج قداسته ، أنقض المتأمرون على الأخوين الذين أخذوا على غرة تماما ، وقد قتل جوليانو لتوه ، ولكن لورنزو جرد سيفه ، ووفق فى الدفاع عن نفسه ، حتى غدا فى مكنة أصدقائه مساعدته على الأفلات .

ومالبث المتآمرون الذين روعهم حبوط المؤامرة أن لاذو بالفرار ، بيد أن أهل فلورنسا أسخطهم العدوان على حاكمهم ، فصبوا جام انتقامهم على المتآمرين ، وقد لقى العديدون من أسرى بازى نهايتهم شنقا ، وقتل آخرون أو سيقوا الى المنفى .

وبعد هذا لم يتجاسر أحد قط على تحدى سلطان لورنزو ، وباطمئنانه إلى هذه الخطوة عند الشعب ، انعقد عزمه على تحقيق الأصلاحات التى كان يفكر فى القيام بها منذ عام 1470م ، وهى الإصلاحات التى استهدفت منح لورنزو المزيد من الهيمنه على شئون المدينة .

Verrocchio Lorenzo de Medici.jpg

ملف:Lorenzo de' Medici-ritratto.jpg

ملف:Vasari-Lorenzo.jpg

‫0 تعليق

اترك تعليقاً